بقلم : عبد الإله الوزاني التهامي لا أحد من العقلاء ينكر الدور الكبير الذي قام به فقهاء غمارة في مجال تحفيظ القرآن الكريم و تدريس علومه و علوم السنة المطهرة ، عبر قرون طويلة من الزمن ، إلى أن أصبحت المنطقة مضربا للأمثال و تقارن بفاس القرويين و بجامعات فقهية و دينية كثيرة عبر العالم الإسلامي ، و يرجع الفضل في كل ذلك من بين من يرجع الفضل إليهم على سبيل المثال لا الحصر ، عائلة آل بن الصديق التجكانية ، التي أنجبت العديد من الأسماء ، ممن أوصلوا إسم غمارة إلى دول في المشرق و في غيره ، و باعتبار التعليم العتيق المؤسس على أركان القرآن و السنة المطهرة من أسباب النهضة العلمية التي عرفتها غمارة العامرة و شمال المغرب ، فإن ما يعانيه هذا الركن المتين من أركان قوة الدين و متانته ، ما عرفه منذ عقدين على الأقل من إصلاحات يبدو في ظاهرا الخير العميم و يستوطن جوهرها الخراب المطلق ، و قصدي هنا ما عرفته منظومة التعليم العتيق مما يسمى ب الإصلاحات التي شملت جوانب كثيرة في مجاله ، على يد وزارة الأوقاف في شخص أحمد التوفيق . إن غمارة المغمورة بالعلم ، على مر قرون طويلة من الزمن لم تعد كذلك تماما ، بعد أن غمرتها مظاهر حياتية مخالفة في العمق و الجوهر ، لماضيها التليد ، المليئ بالأجواء العلمية و الصوفية و الجهادية ، بعدما مورست على أهاليها سياسات فوقية ممنهجة ، همت مصادر قوتها بدءا بالجوامع و فقهائها و علمائها و أئمتها ، و مرورا بساكنتها من عامة الناس ، و انتهاءا بتربتها ، التي تدنست بعدما كانت طاهرة ناصعة . لا يجادل أحد في كون غمارة ، بلغت الذروة في المجال العلمي ، و مجال تحفيظ القرآن الكريم ، و تخريج العلماء و الفقهاء و الأئمة و القضاة و العدول و رجال التعليم و الطلبة ، مقارنة مع نظيراتها من القبائل و المناطق الأخرى ، إلى أن أصبحت مضربا للأمثال في الدول العربية و الإسلامية ، حيث عمدت تلك الدول إلى جلب و اعتماد الفقيه و المدرس ذو الانتماء الغماري ، أو الفقيه المتخرج من الجوامع العتيقة الموجودة في قرى و مداشر غمارة ، كبرهان على أهلية و تجذر المتخرجين من غمارة ، في المجالات العلمية و الفقهية و التدريسية الكثيرة . لكن في العقدين الأخيرين تحديدا و قبلهما بقليل ، تراجع دور الجوامع و المساجد بغمارة ، لما تدخلت وزارة الأوقاف و الشؤون الإسلامية ، مسربة برامجها “المسمومة” إلى عمق التراث الغماري ، رغم حصانة أهلها المتخصصين في العلوم الشرعية و تحفيظ القرآن الكريم ، لأن وزارة الأوقاف تدخلت عبر آلياتها و وسائلها الرسمية ، المدعومة ماديا و ماليا و لوجيستيا . فحينما كان الزائر يدخل جامعا عتيقا ، يجد به عشرات الطلبة بل مئات ، يتلقون العلوم الشرعية ، أو يقومون بحفظ القرآن الكريم ، مؤطرين بفقيه متضلع في العلوم الشرعية و فنون التحفيظ و طرق التربية و التأديب ، يقوم بمهمته مسكونا بخشية الله ، بخلاف الآن فإن الأمر يختلف تماما ، إذ اندثر ذلك السر الذي كان يملؤ الجوامع نورا و خيرا و بركة ، و ذلك بفعل تدخل الوزارة حيث أصبح التعليم العتيق مثله مثل التعليم العصري النظامي ، لا هو يكون الطالب و يشحنه بالعلم و المعرفة ، و لا هو يتركه دون ذلك بالمرة ، فأصبح بين أيدينا “أنصاف الطلبة ” أو أقل . فعلا هناك استثناءات ، تضاعف الجهد قصد تدارك النقص المفروض من طرف برامج وزراة الأوقاف ، لكن ذلك ليس معمما كما كان الأمر أيام زمان ، لما كان الطالب يتخرج على يد الفقيه مباشرة ، و قد تمكن فعليا من كل العلوم فضلا عن الحفظ التام للقرآن الكريم . إن وزارة الأوقاف في برامجها المنتهجة تركز على الشكل و تترك الجوهر ، و الخاسر الأكبر هو الطالب بالأساس ، و أما الفقيه فقد أذعن لما يتلقاه من “تعليمات” و توجيهات ، أغلبها لا علاقة له بالدين و لابالعلم و لا بالأخلاق ، بل يدخل في صميم عمل “المخبرين” و الموظفين الإداريين ، يطلب منه رفع تقارير أسبوعية و شهرية إلى الأعلى ، بمعنى أن الفقيه في مخطط وزارة الأوقاف صار منخورا في لبه ، فارغا علميا في عقله ، غافلا روحيا في قلبه . لم نرد في هذا الحيز الخوض في تفاصيل برامج وزراة الأوقاف و الشؤون الإسلامية ، الخاصة بالتعليم العتيق ، لأننا سنخصص له مقالا موسعا ، يتضمن معلومات دقيقة و أرقاما ، تثبت فشل مخطط ما يسمى بالإصلاح الديني في معالجته و تعاطيه مع التعليم العتيق و ما يدخل في سياقه ، فضلا عن تحفظنا عن سرد تفاصيل حول عمليات توظيف الطالب عند تخرجه و كيفية انتقاء و اختيار الفقهاء القائمين بمهمة التحفيظ و التدريس بالجوامع المنتشرة بربوع غمارة . و الأخطر في موضوعنا أن لب التعليم العتيق و عمقه ، قد تعرضا لضربات خطيرة بمجرد خضوع جسم التعليم العتيق إلى التشريح الكلي ، مما أفضى إلى صناعة “تعليم عتيق” شبه علماني ، ظاهره إصلاح شامل و جوهره خراب كامل .
المصدر: شورى بريس نشر في شورى بريس

