افتتحت مؤسسة المشروع برنامجها خلال شهر رمضان بجلسة حوار ،أول أمس الخميس، بمقر المؤسسة
بالرباط
، مع الناقد والباحث الأستاذ سعيد يقطين، وهي الجلسة التي أدارتها وساهمت في إغناء أسئلتها الكاتبة والصحفية سعيدة شريف، إلى جانب محاوري ضيف المؤسسة ، الأستاذة ، الكتاب والنقاد، عبد الفتاح الحجمري ،ومحمد الداهي وإدريس الخضراوي. وفي افتتاح الجلسة توقف الأستاذ محمد درويش باسم المؤسسة عند أهمية طرح السؤال الثقافي اليوم ضمن مشروع تسعى المؤسسة إلى تعميقه، و رصد دلالاته وعمقه الفكري والمجتمعي، مبرزا أهمية الفعل الثقافي في النهوض بمجالات التنمية في السياسة والمجتمع، ومركزا على الدور التكاملي في النهوض بكافة الأوضاع الإنسانية وفي مقدمتها الوضع الفكري والثقافي لما لهما من دور في رقي المجتمع وتقدمه.
وقد تميزت جلسة السمر الرمضاني بمقر المؤسسة، بحضور نخبة من الفاعلين الثقافيين والسياسيين والإعلاميين حيث دار النقاش حول قضايا الثقافة والمجتمع والذي انطلق من مسلمة واقعية تنطلق من كون السؤال الثقافي مازال -في العالم العربي- يراوح مكانه منذ عقود من الزمن لبواعث كثيرة، مما جعله عاجزا عن مواكبة وتيرة المستحدثات المعرفية والثقافية، وزحزحة القضايا الراكدة والمتراكمة، والتخلص من الأوهام التي تكبل العقل وتقيد مجاله. وبمقتضى هذا الوضع، أضحت الأمة العربية خارج العصر، وضمن
الأمم
التي تشغل المراتب الدنيا بسبب عدم قدرتها على الانخراط في النسق المعرفي الجديد والاستجابة لمتطلباته.وغالبا ما كان هذا السؤال مغلفا بالهاجس السياسي أو الإيديولوجي مما حال دون أدائه لدوره على الوجه المطلوب، وخاصة تأهيل الإنسان بالقدرات الثقافية والتواصلية المناسبة حتى يكون فاعلا ومنتجا في محيطه. فبدون الانخراط في الثورة الثقافية لا يمكن لكل المقترحات أيا كان مجالها ودرجة وجاهتها أن تتوفر لها سبل النجاح لبلورة رؤية استراتيجية متكاملة. وحددت مديرة الجلسة الزميلة الإعلامية والكاتبة سعيدة شريف الحوار في ثلاثة محاور ، وكان البدء بمحور العمل الثقافي في المغرب، الذي ساءل فيه الناقد والأستاذ عبد الفتاح الحجمري ضيف المؤسسة سعيد يقطين ، وانصب هذا المحور على دور الثقافة في إنهاض الشعوب والرقي بفكرها وذوقها وسلوكها حتى لا تتخلف عن الركب الحضاري العام. وفي هذا الصدد سبق للدكتور سعيد يقطين أن أثار سؤالا هاما في كتابة «الأدب والمؤسسة 2000»: هل من سبل لفتح مسارات جديدة للتغيير الاجتماعي بدون خلفية ثقافية؟ ثم اضطر –في خضم الربيع العربي- إلى إعادة صياغته كما يلي (انظر كتابه المغرب: مستقبل بلاسياسة2013): هل يمكن أن يكون أي مستقبل بدون سياسة؟
لقد اقتضى منه السؤال فتح نقاش حول قضايا حيوية من قبيل «السياسة الثقافية» و«الثقافة السياسية» و«المجتمع المدني» و«المجتمع السياسي» و«التعدد اللغوي». وكلها-كما يبدو- تتطلب بلورة سياسة ثقافية تعنى بتثقيف الإنسان ورفاهيته، وتراهن على إشراكه وإدماجه في التنمية المستدامة.وساءل الناقد والباحث محمد الداهي في المحور الثاني، الضيف عن رهانات مجتمع المعرفة ، وأثار سعيد يقطين قضايا «الرقمنة» و«النص المترابط» و«الأدب الرقمي» لإبراز التحديات
الجديدة
المفروضة علينا اليوم حتى لا نظل خارج النسق المعرفي الجديد. إن الأمر لا يتوقف عند استعمال الوسيط الجديد (على نحو الحاسوب والهاتف الذكي واللوح الالكتروني واللوح الذكي…) وإنما يستدعي حسن استعماله للاستفادة من المعرفة المنتجة وتوطينها وتوظيفها. وهذا من شأنه أن يسعف في ردم الفجوة الرقمية التي ما فتئت تتعمق بين الجهات والمناطق وحتى بين ساكنة
المدينة
نفسها، وتوفير البنيات التمكينية (المؤسسات الحاضنة، صياغة التشريعات المناسبة، توسيع مجال الحريات العامة، مأسسة الولوج إلى الثقافة)، وربط المعرفة
الجديدة
بمجالات الإنتاج والتقدم. ودار النقاش بين المحاور والضيف حول السبلُ والتدابيرُ المناسبة للولوج إلى مجتمع المعرفة، خاصة وأن، المغرب، مازال يعاني الكثير من المشاكل، نذكر من ضمنها الهدر المدرسي، والأمية الثقافية، والفوارق الاجتماعية، والفجوة الرقمية، الهشاشة اللغوية، والحكامة المتعثرة..
أما المحور الثالث الذي ساءل فيه المحاور الأستاذ والباحث إدريس الخضراوي ، الناقد سعيد يقطين عن الدور الجديد للأدب ، فقد انطلق من موجة التشكيك في دور الأدب إلى حد توريطه في أزمة يعسر النجاة منها والحكم عليه بالموت والتلاشي. وهو ما كان له انعكاس سلبي على مردوده وإشعاعه داخل المجتمع. ومما زاد من تكريس هذه الصورة السلبية إقبال الناس على المعرفة الجاهزة (التلوث المعرفيinfopollution) التي تنقل إليهم بواسطة الدعامات
الجديدة
والمتفاعلة دون التحري في مصدرها وقيمتها وصحتها وملاءمتها، ونفور الأجيال الصاعدة من القراءة المتأنية العميقة التي تعتبر رافعة للتنمية المستدامة.دافع سعيد يقطين – في مشروعه العلمي والثقافي، وخاصة في كتابيه «من النص إلى النص المترابط مدخل إلى جماليات الإبداع التفاعلي 2005». ثم النص المترابط ومستقبل الثقافة العربية (نحو كتابة عربية رقمية)، 2008 –عن ملاءمة «الممارسة الأدبية
الجديدة»
و«الأدب الجديد» و«النص المترابط» و«الفكر العربي» و«النقد الأدبي الجديد». مما يعني أنه متفائل ومطمئن للدور الذي يمكن أن يؤديه الأدب في مجتمع اليوم حتى يسهم في تقدم المجتمع ورقيه. ولا تكمن المشكلة-في نظره- في الأدب وإنما في النظرة التي نحملها عنه، وهو ما يقتضي-من بين اعتبارات أخرى- مراجعة المناهج التربوية، وصياغة سياسة ثقافية جديدة، وإعادة النظر في المؤسسة الإعلامية…الخ.
تنخرط مؤسسة المشروع للتفكير والتكوين في التحضير لمجموعة من الأنشطة الثقافية والسياسية خلال شهر رمضان، بهدف المساهمة في تطوير وإغناء أسئلة التحوُّل التي تعرفها بلادنا. ولأن أمسيات شهر رمضان شَكَّلَت وتُشَكِّل دائماً فضاءً مناسباً للحوار والتداوُل في قضايا الشأن العام، وفي أسئلة التحوُّل الثقافي في أبعاده المختلفة، فقد حرصت المؤسسة أن يكون لها برنامج متنوِّع، يُغَطِّي مساحة لقاءين في الأسبوع، لِيُشَكِّل مناسبة للتفكير في قضايا الساعة في مجتمعنا.
يذكر أن مؤسسة المشروع حرصت على أن يكون اللقاء مع مجموعة من الفاعلين في المجالين السياسي والثقافي، وأن يستوعب ما يجعله مناسبةً لحوارٍ جَادٍّ ومفيد، في موضوع التحوُّلات المرتقبة في مجتمعنا. وضمن هذا الأفق، حرصنا أيضاً على تجديد وتنويع أسلوب محاورة الضيوف، من أجل إشراك الحاضرين في لحظات مساءلة ومكاشفة، مستهدفين من وراء ذلك توسيع آفاق الحوار في القضايا موضوع اللقاء.
كما أن برنامج المؤسسة خلال شهر رمضان سيكون مكثفا ، حيث ستستضيف المؤسسة أمناء أحزاب من المعارضة والأغلبية.
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

