عندما كنا في الشهادة الابتدائية، كان قسم الفرنسية مسلخا حقيقيا، وكان الخوف زميل دراسة يجلس في الصفوف الأمامية. بعد أن نجري ما يسمى ب»التمارين»، يقوم معلمنا بكتابة الأجوبة على السبورة، ويطلب منا أن ننقل النص المصحح على كراريسنا بكثير من العناية، وفيما أعيننا تسافر بحذر بين السبورة والدفتر، ونحن نسابق الزمن بأصابعنا الصغيرة، لا يتوقف السي علي عن سؤالنا إن كنا قد انتهينا، وفي يده أنبوب أحمر محشو بعصا سفرجل، يهش به علينا وله فيه مآرب أخرى. حين ينتهي الجميع، أو على الأرجح، حين يقرر السي علي أن الوقت المخصص لتصحيح التمرين انتهى، يجمع الدفاتر ويأخذها معه للبيت كي يفحصها بتأن، وأول شيء يصنعه في اليوم الموالي، قبل البونجور، هو توزيع الدفاتر على أطفال يرتجفون من شدة الهلع، قبل أن يمر بين الصفوف مهددا: «من عنده علامة هنا؟»
Qui a une croix ici ?
العلامة تشبه صليبا مخطوطا بالأحمر، يضعه على هامش الدرس الذي ارتكب فيه التلميذ خطأ أثناء نقل التصحيح.
Qui a une croix ici ?
ويبدأ سيئو الحظ في التململ من أمكنتهم بخطوات متعثرة، كما يصنع المحكومون بالإعدام. كل صباح، يتجمع حشد محترم أمام السبورة كي يمارس عليهم السي علي ساديته. ضربتان موجعتان على راحة اليد. وكأي جلاد محترم، كان يترك لك الحرية في اختيار طريقة العقاب: لك أن تأخذ ضربة في كل يد أو تتلقى الضربتين على يد واحدة، حسب ما تشتهيه. بعد أن يهوي عليك بالأنبوب الأحمر، تهرع في اتجاه طاولتك الصغيرة وأنت تتألم وتغلق اليد الملتهبة ثم تفتحها عدة مرات، قبل أن تمسك بحديدة على الطاولة كي «تبرد الضربة». حين تلامس قضيب الحديد البارد تكاد تسمع: تشششش… كأن جمرة ملتهبة وضعت في إناء ماء. كان همنا كل صباح ألا نكون بين المعاقبين. نحاول ألا نخطئ أثناء النقل، لكن الفرنسية بنت كلب و مهما بذلت من جهد لا بد أن تنسى «S» في نهاية إحدى الكلمات أو تخلط بين «الأكسون غراف» و»الأكسون إيغو»… ورغم أنها أخطاء بسيطة فإن السي علي يرى فيها أسبابا كافية لاستعمال الأنبوب الأحمر المحشو بعصا السفرجل المسمومة. بالإضافة إلى العقاب الجسدي، كانت العملية تعرضنا لتعذيب نفسي رهيب. ترى الكوابيس في نومك. تصحو وأنت تفكر في «العلامة»، وتذهب إلى المدرسة وأنت مشغول بمصيرك المجهول. مع الوقت، صرنا نتفنن في اختراع حيل تعفينا من عصا السي علي.
من الطرق التي أبدعنا للإفلات من العقاب، أن تتسلل من وسط الحشد الذي ينتظر دوره في «السليخ» في اتجاه المقعد قبل أن يضربك المعلم. تغادر في اتجاه مقعدك وأنت تتألم بشكل مبالغ فيه، رغم أنك لم تتعرض للضرب. عندما يكون عدد المعاقبين قليلا لا داعي للمغامرة، سيفتضح أمرك وتأكل ما يأكله الطبل يوم العيد. البعض كان يتجرأ على مسح العلامة من دفتره بواسطة شفرة حلاقة. كان «الرازوار» أو «الزيزوار» –كما كنا نسميه- من الأدوات المدرسية التي نضعها في المقلمة، جنب قلم الرصاص و»بيك» والبركار والكوس والمنقلة والأقراص والعجينة… وبقية الأشياء الغريبة، التي كانت تملأ محفظاتنا في تلك السنوات البعيدة. لم تكن الممحاة العادية تمسح إلا قلم الرصاص، في الوقت الذي يستطيع «الزيزوار» أن يمسح ما يكتب بقلم الحبر، إذا عرفت استعماله طبعا، أما إذا كنت «بوجاديا» فإنك ستتثقب الورقة وتكون العواقب وخيمة.
أما من افتضح أمره، فتلك حكاية أخرى. لن أنسى زميلنا رشدي، الذي مسح العلامة اللعينة من دفتره باحترافية عالية، لكن حظه العاثر جعل المعلم يرتاب في الأمر، بينما كان يتجول بين الصفوف لتفحص الدفاتر بعد تنفيذ العقوبة. دون أن يكون متيقنا، قرّب السي علي دفتر رشدي من نظارتيه، اللتين تشبهان قاع الكأس، وسأله بشيء من التردد: «كانت هناك علامة ومسحتها، أليس كذلك؟» بدل أن ينكر، صرخ الغبي خائفا: «والله ما نعاود آ استاد والله ما نعاود…»، وقبل أن ينهي استعطافه بدأت الضربات تنهال على المسكين كما اتفق، على الرأس والظهر والكتف واليدين، وهو يستغيث ويطلب الصفح… فجأة توقف السي علي عن الضرب وسأله دون أن يتخلى عن غضبه: «علاش مسحتيها؟» رد رشدي بعفوية طفل يتألم: «والله ما مسحتها آستا… بغيت غير نشوف واش كتمسح» ! «تشوف واش كتمسح !… أنا اللي غادي نمسح لك الأتر هاد النهار؟»، ردد السي علي باستنكار، قبل أن يرفع عاليا أنبوبه الأحمر المحشو بعصا السفرجل.

