هُناك في العالم، كُتبٌ نقرأها، وكتب تُروى، وهناك كتبٌ نادرة نسمع عنها، وأخرى لم تُكتب، لكنها تبقى تتداول بين الناس شفهيا. والحياة في كل هذا المطاف هي سينما، لها سيناريو مكتوب سلفا،بالفطرة والعفوية، ولها أبطال يعيشون الواقع بيننا، وكل واحد يؤدي دوره على أحسن مايرام.
مناسبة هذه التغريدة، صورة تعود إلى الزمن الجميل، والزمن الحاضر، المنفلت من أصابع الخيال. وتحديدا من جبال
شفشاون
. أتمنى أن ينتبه إليها الجيلالي فرحاتي أو فريدة بليزيد أو محمد بن اسماعيل أو رشيد الوالي،أو الشريف الطريبق، لأنهم كلهم يشتغلون على مناطق جبالة وتحديدا مدن شمال المغرب.
كثيرا عندما يحلو لي العودة إلى الزمن الجميل، أقصد مطعما شعبيا لصاحبه الرجل الطيب الوسيم والبشوش عبداللطيف النادي، لتناول صحن من «البيصر». في المقابل أجد متعة في هذا المطعم الشعبي من خلال الاستماع والإنصات لروائع الموسيقى الخالدة ابتداءً من أم كلثوم، عبدالحليم، فيروز، فريد الأطرش، صلاح الطويل، مارسيل خليفة.. وأيضا للإنصات إلى الأغنية المغربية، مثل روائع أغاني عبدالوهاب الدكالي، وعبدالهادي بلخياط، ورجاء بلمليح وناس الغيوان وجيل الجيلالة…..إلخ. وإذا طلبت أغنية من الأغاني الخالدات من عبداللطيف النادي، ستجدها عنده في الحال، وتجده يتحاور معك في جميع الأذواق الموسيقية، خصوصا إذا عرف أنك مهتم ومولع بموسيقى الزمن الجميل، ثم تكتشف أن هذه الأغاني يحفظها عن ظهر قلب. فجميع الأشرطة متوفرة لديه وأيضا لديه جميع أغاني الشيخ إمام، في نسختها أيام منعها و بالرغم من ذلك كان يتم تداولها في أوساط النخبة من المثقفين واليساريين.
****
هذا المطعم الشعبي المغمور الذي يوجد بقلب
شفشاون
، يكاد ينافسُ المطاعم المصنفة، أي تلك المطاعم صاحبة الفخامة ذات الأثمنة الباهضة، ففي أغلب الأحيان، وكما هو معروف فالمطاعم الفاخرة وجباتها رديئة ومقززة. في المقابل نجد هذا المطعم الشعبي قد أغرى الأغنياء والفقراء وجلسوا في الظاهر والعلن على مائدة واحدة لتناول “البيصر” متلذذين بإيقاعات ونغمات صوت سيدة الطرب العربي أم كلثوم.
إنه عالم يشبه أبطال العالم الروائي لنجيب محفوظ، عالم فانطاستيكي، وخيالي، مثير للغاية، فيه تشويق وإثارة، تسعفك فيه العبارة ولا يسعفك التروي لتصوير فيديو حي بالأبيض والأسود، لتنقل تلك اللحظات المنفلتة من زمن المغرب الجميل الهارب، كضوء الروائي المغربي محمد برادة.
إنه عالم من خيال، يتحقق في طبيعة واقعية، فلحظات الجلوس تغري بالكتابة والتأمل، هذا العالم الجميل يوجد في مطعم شعبي كله بساطة. يختزل الحياة اليومية للمغاربة، فكل شرائح المجتمع تقصده وتهبُّ إليه في أوقات معينة لتناول وجبات خفيفة، وفي المساء تكون الوجبة الأكثر شعبية هي المعروفة ب “البيصر” ، وهي أكلة لذيذة يتفنن في إعدادها شخصيا عبداللطيف النادي،القنوع بما يُدر عليه هذا المطعم الشعبي، من أموال زهيدة جدا، لاتغني ولا تسمن من جوع. كل رأسماله هو القناعة التي يعتبرها كنز لاتفنى.
وكما هو معروف فإن هذا المطعم الشعبي يقدم وجبات بأثمنة مناسبة جداً، يقصده الفنانون وبعض المشاهير،والمغاربة الذين يفدون على
شفشاون
في مواسم سياحية معينة من الباحثين عن “البيصر” بزيت الزيتون وبعض الزيتون المرقد بطريقة جبلية .
****
ممكن أن تغلق على نفسك، مكتبتك، وتظل تقرأ كتبا، وروايات، وقصص، ودواوين شعرية، كي تكتب بأسلوب جديد.لكن أجمل كتاب بين الحين والأخر، هو قراءة كتاب الواقع المعيش. وفي المقابل نجد بعض الكتاب قد جفت لهم القريحة، من حين لآخر، ويعجزون، عن خط كلمة أومجاراتها في التخصيب، لأن الكتابة مثل الحياة، عليك أن تعيشها، وتنصت إليْها عميقاً.
ففي هذا المطعم صور كثيرة، للمجتمع المصرى والمغربي وقت صراعاته و فى مراحل تطوره.
إن الجلوس في هذا المطعم لوقت معين، تشعر كأنك جالس في استوديو يصور فيلم مصري، أو أنك تتخيل المحيطين بك هم أبطال روايات لا غير. أو هم من أبطال روايات نجيب محفوظ بطريقة مغربية مثل روايات « أولاد حارتنا « و « ملحمة الحرافيش «.
لأن هنا كما قلت جميع طبقات المجتمع والإطارات الكبرى في الدولة، تجلس في هذا المطعم الشعبي لتناول إحدى الوجبات، من أجل الهروب من الروتين اليومي، فهو مطعم ينقذك من الجوع وقتما شئت، لأنه مطعم يسهر إلى وقت متأخر من الليل، ومن دخله يشبع ويدفع دراهم معدودة. ويجعلك تسافر مع روائع الموسيقى في آلة الزمن، لكي تعيش لحظات ضوئية وارفة من الزمن الجميل.
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

