في غياب الحسم العسكري ضد ما يسمى «الدولة الإسلامية في العراق والشام» التي يقودها البغدادي، بوصفه «خليفة جديدا للمسلمين»، هناك مؤشرات عدة تدل على أن تنظيم «داعش» بدأ يستشعر نوعا من الاستقرار في المنطقة الجغرافية التي يديرها؛ فالتنظيم بات يدرك أن هناك ترددا كبيرا وسط مكونات التحالف الدولي، بسبب تداخل الحسابات بينها، وربما فهم أن هناك أطرافا غربية، وخاصة واشنطن، لديها مصلحة في استمرار الوضع الراهن الذي يخدمها إلى وقت معلوم، بوصفه يشكل تهديدا مسلطا على رقاب العديد من الأنظمة العربية في المنطقة.. وضع مفتوح على سيناريوهات عدة، أحدها أن يتم استصحاب القضاء على «الدولة» بحزمة من المكاسب الكبرى في المنطقة لفائدة البلدان الغربية وإسرائيل، كأن يتم توقيع اتفاقيات سلام لهذه الأخيرة مع دول أخرى، بعد مصر والأردن.
المؤشر الأساسي الذي يمكن من خلاله استنتاج أن حركة «داعش» بدأت في الشعور بتصلب عودها، هو ما ورد في العدد الأخير من المجلة التي تصدرها باللغة الإنجليزية تحت عنوان «دابق».. ودابق بالمناسبة قرية في سوريا، ناحية مدينة حلب؛ فقد خصص العدد ستَّ عشرة صفحة كاملة لنشر شهادة كتبها شخص أردني يسمى «أبو جرير الشمالي»، يروي فيها قصة التزامه في عمان ثم التحاقه بجماعة الإخوان المسلمين ثم بجماعة الدعوة والتبليغ قبل التعرف على السلفية الجهادية، عبر أبي مصعب الزرقاوي، والانضمام إلى «جماعة التوحيد والجهاد» التي كان يقودها هذا الأخير.
أهم ما ورد في هذه الشهادة أن الشمالي طعن في مشروع تنظيم القاعدة الذي أسسه أسامة بن لادن، حيث ذكر أن المنطقة التي كانت تسيطر عليها في أفغانستان، وهي وزيرستان القريبة من الحدود مع باكستان، لم يكن يسودها حكم الشريعة الإسلامية، بل كانت تخضع للأعراف القبلية العريقة. ويضيف صاحب الشهادة أن المنطقة لم تكن خالية من»القوات الكافرة»، في تلميح إلى عناصر الجيش الباكستاني، وأن هذه العناصر هي التي كانت تتحكم في حركة المرور داخل المنطقة من جهة إلى أخرى؛ ثم ينتقل إلى تأكيد أن تنظيم القاعدة كان مولعا بتقسيم «المجاهدين» إلى تكفيريين وخوارج، وأنه كان يقرب العناصر التي تؤمن بالإرجاء، وهو ما يعني أن بن لادن كان مرجئا، وأن تنظيم القاعدة يؤمن بفكر الإرجاء.
والمرجئة، باختصار، فرقة إسلامية ظهرت قديما، كانت تقول بعدم تكفير مرتكب الكبيرة، الذي يقول به الخوارج، ويفوضون أمره إلى الله، ولا يحكمون بكفرٍ ولا إيمانٍ. وقد استقطبت هذه القضية منذ ظهور السلفية الجهادية، وتنظيم القاعدة، جدلا طويلا بين السلفيين الجهاديين والسلفيين غير الجهاديين، لأن أولئك يتهمون هؤلاء باتخاذ الإرجاء ذريعة لعدم إصدار أي حكم على الحكام العرب، ولذلك يوصف أتباع السلفية الجهادية بكونهم خوارج، انطلاقا من رفضهم للإرجاء.
لكن الحيرة تستبد بنا ونحن نقرأ هذه الشهادة التي تصف تنظيم القاعدة بالإرجاء؛ فالمعروف أن أيمن الظواهري لديه رسالة مطولة في الرد على الشيخ ناصر الدين الألباني، يتهمه فيها بالإرجاء وينتقد موقفه من الحكام، كما هو معروف أن تنظيم القاعدة في زمن بن لادن أصدر حكما بتكفير الدولة السعودية، مما يعني أنه يقف في الضفة المقابلة للمرجئة.
مثل هذا الموقف الجذري تجاه تنظيم القاعدة لم يكن يتصور أن يصدر عن حركة «داعش» قبل اليوم، لأن من شأنه أن يصدم مشاعر الكثيرين من أتباع أسامة بن لادن والظواهري. لكن أن تخرج به الحركة اليوم، فهذا أمر يؤكد أنها أصبحت في موقع قوة أمام الجهاديين، ولم يعد هناك ما يمنعها من الإقرار بخطئها العقدي الذي كانت تخفيه في الماضي، علما بأن القضية الأساسية لدى السلفيين عموما، والسلفيين الجهاديين بشكل خاص، هي»التصحيح الاعتقادي» بحثا عن «صفاء العقيدة».
من الواضح أن هذا الموقف المعلن يؤكد، بشكل ملموس، أن حركة «داعش» تنتمي إلى فكر الخوارج، وأن هذا الهجوم على تنظيم القاعدة ليس وراءه أي تمايز عقدي أو إيديولوجي كبير، بقدرما هو محاولة لجذب تعاطف السلفيين الجهاديين، المأخوذين بقضية صفاء الاعتقاد. لقد سبق للحركة أن طعنت في مصداقية الظواهري، بل وطالبته بالانضمام إليها ومبايعة البغدادي، ولكنها لم تستطع الاقتراب من صورة بن لادن، الذي تحول إلى «رمز» لدى الجهاديين عبر مختلف بقاع العالم، ربما خوفا من أن يؤدي ذلك إلى تفكيك بنيتها التنظيمية ونسف مشروعيتها لدى فلول الجهاديين.
وبانتقادها العلني لزعيم القاعدة اليوم، في العدد السادس من مجلة «دابق»، تكون حركة داعش قد نصبت نفسها وريثا للفكر الجهادي الذي أرسى ركائزه تنظيم القاعدة وبن لادن نفسه، من خلال المدخل العقدي، بعد المدخل السياسي المتمثل في إعلان «الخلافة»، وتكون قد صفت حساباتها مع التنظيم الذي يقوده الظواهري الذي سيكون عليه الآن أن يخوض حربا إيديولوجية ضد الحركة، لكي نتابع فصولا جديدة من السجال الإيديولوجي داخل دائرة التطرف السلفي نفسها.

