قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾سورة البقرة
…وجاء في المعاجم ..» تعنّت الشّخص»:تعصَّب في رأي أو موقف وكابرَ عنادًا ..
و»تعنَّت خَصْمَه» : حاول إيقاعه في مشقَّةٍ أو زلل ..
التعنت والتعصب فيه إقصاء لآراء ومواقف وإرادات وطموح الاخرين .. وهو سلوك غير سوي نجده بين الأفراد والجماعات والمؤسسات العامة والخاصة والهيئات المدنية …فإن كان استثنائيا أو مرحليا أو ناتجا عن انفعال أو رد فعل ..فإثاره لاتترتب عنها أضرار جسيمة مادية أومعنوية أو هما معا ..بل قد تخلق اجواء انفعالية عابرة ..أما أن اصبح طبيعة وطريقة في التعامل مع الاخر كان مخالفا او مغايرا بشكل نسبي او كلي .. فإن نتائجه تصبح استفزازية وتدميرية تعطل وتشل المبادرات والإرادات ولو كانت هي عين الحقيقة …
وعندما يتحول الفضاء السياسي ومؤسساته وبعض مراكز القرار الى منابر يصرف فيها التعنت لرأي ما او لقرار معين بصيغ توحي بأن لاحل ولا طريق ولارأي إلا رأي المتعصب لرأيه ..وكان «الرأي /النص» قطعي لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه …مما يؤدي الى تحول التعامل مع ملفات ترهن مصير الآلاف من أبناء وطن ما الى ورقة سياسوية يطالها عبث في المواقف والحلول لا يتحقق من ورائها سوى الضرر والإساءة والاحتقان …
ان العبث اذا تلبس بالعمل السياسي الرسمي منه وغير الرسمي …يكشف عن اختلالات تمس ضوابط العقلانية في تدبير وإدارة ومعالجة الاشكالات والأزمات الطارئة أو حتى الهيكلية ..ويؤدي الى تعطيل صلاح الامور وأحوال الناس كانوا قلة او كثرة ..
إن معيار العدل والانصاف لايكون سليما إذا قام على فرضية ان جهة ما منفردة هي التي تمتلك الحقيقة منفردة باعتبار انها تتحكم في زمام الامور بامتلاك السلطة السياسية او السلطة المذهبية ..
فالدولة ومؤسساتها تقوم وتتحرك وتتطور بناء على تعاقد سياسي وحقوقي ، اجتماعي واقتصادي وثقافي يضمن ويحمي دولة المؤسسات ويقوي مصداقيتها ويحقق اطمئنان الشعب في يومه وغده القريب والبعيد …
ان التعنت يعيق ويعطل المبادرات الاقتراحية والعملية ..وقد يتسبب في تقوية الشك في نوايا من يصنع القرارات ويتشبث بفرضها على الناس بكل الطرق ..مما يوسع دائرة الخلاف ويضيق فضاء الثقة ..برفض فتح باب التشاور مع مكونات المجتمع و اهل الحل والعقد …
فالتعصب للرأي او الفكرة او المشروع الذي يحتمل عقلا وشرعا الصحة والخطأ دون إعمال المشورة والحوار مع الفاعلين المعنيين قبل الانفراد بإصداره والتشريع له بتحويله الى امر ملزم احب من احب وكره من كره ادى في اكثر من بلد ووطن الى احتجاجات واعتصامات لم تتوقف الا بإسقاط ليس القرار فقط بل من كان وراء اصداره والدفاع عنه …
ولقد حذر الإسلام من التعصب ، ونهى عنه، لما له من آثار سيئة مدمرة تثير التوترات ، وتقوي مشاعر المظلومية والإحساس بالغبن والتحقير ..كما نهى عن منع وحرمان الناس من ممارسة حقوقهم المشروعة، كحق التعبير وإبداء الرأي والمطالبة برفع الضرر ..
وتأملنا للعديد من النصوص الشرعية بالقرآن و السنة و كذا الفقه..سيجعلنا نقف على حقائق نيرة أجمل بعضها ..الإمام الشافعي رحمة الله في :» رأيي صحيح يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب»..
وقولة الإمام مالك بن أنس رحمه الله :»إنما أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في رأيي. فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه»..
وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: «خذوا الحكمة ممن سمعتموها؛ فإنه قد يقول الحكمة غير الحكيم، وتكون الرمية من غير رام».
..إن من يبتعد عن الحكمة والتعقل بالتعنت والتعصب للرأي وتحقير آراء الآخرين يخسر في النهاية أشياء كثيرة سيتعذر عليه أن يقنع الناس بأنه مازال يؤمن بها ويدعو لها …
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

