مفاجأة مدوية تلك التي أعلنتها الهيأة العليا للاتصال السمعي البصري في وجه الرأي العام وهي ترفض “شكلا” طلب رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران، بخصوص بث القناة الثانية “دوزيم” لسهرة عارية للمغنية الأمريكية “جينيفر لوبيز”، تضمنت إيحاءات جنسية اقتحمت بيوت المغاربة في خدمة مؤدى عنها من جيوبهم.
إن حصرنا أنفسنا في الرد الذي أعد بإتقان تام، من قبل حكماء “الهاكا” (أو هكذا يلقبون) فإننا سنصل إلى نفس النتيجة، ما دام الجميع لا يهمه سوى هزم بنكيران ولو كان ذلك على حساب المجتمع وأخلاقه أو مطالبه التي تفجرت وظهرت مؤشراتها على مواقع التواصل الاجتماعي بقوة، ستكون نتيجتنا طبعا ما قاله النطق الصادر عن “الهاكا” : بما أن رئاسة الحكومة ليست هي ” المنظمات السياسية أو النقابية أو الجمعيات المعترف لها بصفة المنفعة العامة” المنصوص عليها في الظهير الشريف، فإن الطلب مرفوض لعيب شكلي. لكن الأمر ليس هكذا بإطلاق، فالهيأة العليا للاتصال السمعي البصري مطالبة أمام المجتمع المغربي بإعمال باقي مواد الظهير، ففي المادة 3 من الظهير يحق لرئيس الحكومة أن يحيل طلبا بترتيب جزاءات عما تم بثه في القناة، وبعض مواد الظهير لا يحتم على الهاكا انتظار أي شكايات أو طلبات موجهة من أي جهة حكومية أو منظمات نقابية أو هيئات سياسية أو جمعيات معترف لها بالمنفعة العامة. وينص الظهير الشريف في المادة 3 على أن من بين مهام واختصاصات الهيأة :” مراقبة تقيد هيئات الاتصال السمعي – البصري بمضمون دفاتر التحملات وبصفة عامة تقيدها بالمبادئ والقواعد المطبقة على القطاع”، وبالعودة إلى دفاتر التحملات الخاصة بشركة “صورياد دوزيم” والذي نشر بالجريدة الرسمية للمملكة، نجدها تنص في باب الأخلاقيات على :”عدم المساس بالأخلاق والآداب العامة” وهي مادة تأتي مباشرة بعد مادة أساسية في دفاتر التحملات وهي :” عدم الإخلال بثوابت المملكة المغربية كما هي محددة في الدستور، والمتمثلة في الدين الإسلامي السمح والوحدة الوطنية متعددة الروافد والملكية الدستورية والاختيار الديمقراطي”. ويمنح الظهير الشريف للهيأة العليا للاتصال السمعي البصري اختصاصات أوسع فيعطيها الحق في ” المعاقبة على المخالفات المرتكبة من لدن هيئات الاتصال السمعي – البصري، أو تقديم اقتراح بشأن العقوبات المترتبة عنها إلى السلطات المختصة، وفقا للتشريع الجاري به العمل ولدفاتر التحملات ذات الصلة”، كما تنص الفقرة 16 من المادة 3 من الظهير. فإذا كانت صور كالتي أذيعت على شاشة القناة الثانية العمومية لا تشكل إساءة للآداب والأخلاق العامة، فما هي الصور التي يمكن أن تتخذ فيها الهيأة العليا للاتصال السمعي البصري خطوات العقاب؟ وما هي الصورة التي لا تتلاءم مع أخلاق المجتمع المغربي في منظور الهيأة، ما دامت المغنية الأمريكية قد تعرت بشكل شبه كامل أمام المغارية، ورقصت بإيحاءات جنسية مثيرة، أشعلت مواقع التواصل الاجتماعي، وكادت تمس بالنظام العام بعد دعوات الاحتجاج المتعالية. لقد اتخذت الهيأة العليا للاتصال السمعي البصري العشرات من القرارات، منها تنبيهية ومنها جزائية ومنها قرارات في إطار احترام التعددية…، وكان أغلبها نابعا من الاختصاصات الموكولة حصرا للهيأة، دونما حاجة إلى طلبات أو شكايات من أي جهة، كان آخرها قرار أصدرته الهيأة حول ضبط صوت الإشهارات تطبيقا لمقتضيات دفاتر التحملات. وفي قرار يمثل تناقضا صارخا في قراراتها، أصدرت الهيأة قرارا في حق إذاعة “هيت راديو” التي كانت تعتزم تنظيم سهرة يحضرها رياضيون وفنانون ويتضمن جزء منه إحسانا عموميا، واستندت الهيأة إلى رسالة من الأمين العام للحكومة وإلى قانون الاحسان العمومي ووجهت ردا إنذاريا قويا إلى إدارة الإذاعة، وتم منع النشاط من البث، وتم ردع الإذاعة من اللجوء إلى القيام بجمع تبرعات في إطار الإحسان العمومي دون أي سند قانوني، ودون أن تكون لها صفة المنفعة العامة. لقد قامت الهيأة العليا للإتصال السمعي البصري برد حربائي قام ببتر القضية برمتها عن سياقاتها، ولجأت إلى رمي مسؤوليتها جانبا، لتتشبث فقط بقشة على ظهر البحر كملجأ لها من الغرق في بحر الانتقادات التي فجرتها فضيحة بث السهرة بتلك الصورة المريبة، وكان على الهيأة أن تقوم بإبلاغنا برسالة أقصر من ذلك: “الموجة أكبر من شراع الهاكا فلا تلوموا انبطاحها هاته المرة”. بكلمة، نقول إن القوانين تحدث لحماية الفرد والمجتمع وتنظيم العلاقات داخل النسيج المجتمعي برمته وبين مختلف مؤسساته الرسمية، ومتى ما كانت هاته القوانين غير عابئة بما يسيء إلى هذا المجتمع فباليقين تحتاج إعادة نظر، ومتى ما كانت هاته القوانين غير قادرة على المساواة بين الجميع أمامها فإنها أيضا تحتاج إعادة نظر.
المصدر: جواد غسال نشر في الرأي المغربية

