مرت أجواء «الإجازة الصيفية» على أطفال غزة كئيبة ودموية، فلقد اشتروا «الفوانيس»، كي يحتفلوا بليالي شهر رمضان، لكنهم لم يشعلوها، ومر عليهم عيد الفطر، دون أن يشعروا بـ»بهجته»، وأخيرا انقضت الإجازة الصيفية، من غير «لعب»، ولا «ترفيه».
وتقف الصغيرة وردة أبو العمرين، محدّقة بلوحة فنية رسمت على إحدى جدران مدرسة الإيواء التي لجأت إليها عائلتها، هربًا من القصف الإسرائيلي، مستذكرة بحزن، علب ألوانها ولوحاتها البيضاء التي تركتهم في المنزل.
ودومًا كانت تتمنى «وردة»، صاحبة العيون البنية، أن تستغل إجازتها الصيفية بتنمية موهبتها في الرسم، وأن تحقق هدفها بملأ لوحاتها بالعديد من الرسومات الفنية، ومن ثم تلصقها على جدران غرفتها.
لكن ذاك الحلم الطفولي كان أمرًا مستحيلا، بعد مغادرة عائلتها قسرًا وبسرعة من حي الزيتون شرق مدينة غزة، بسبب الحرب الإسرائيلية على القطاع، المستمرة لليوم الـ 49 على التوالي.
وتقول وردة ذات الرداء الورّدي إنها «تحب الرسم، وتشجعها والدتها ومعلمتها على ذلك وتخبرها دومًا بأن لديها موهبة في رسم الطبيعة».
وتضيف:» بابا اشترى لي علب ألوان حلوة كتير (كثيرًا)، كان نفسي (كنت أريد) أتعلم في أيام الإجازة الرسم، وأسجل في مركز أو مخيم صيفي، ينمي موهبتي، بس (لكن) الصواريخ والحرب ما خلتني (لم تدعنِ) أعمل هذا، وأدوات الرسم بقيت في بيتنا».
وبنبرة خوف تستدرك ابنة الـ10 أعوام: «إجازتنا كانت خوف وقصف وموت، والمدرسة إجت (فتحت أبوابها) وما قدرنا (ولم نستطع) الذهاب، لماذا تفعل إسرائيل بنا هذا، نحن نريد أن نعيش في سلام».
وكان من المقرر أن يبدأ العام الدراسي الجديد، في قطاع غزة، الأحد الماضي، إلا أن وزارة التربية والتعليم قررت تعلقيه حتى إشعار آخر، بسبب الحرب الإسرائيلية.
وفي فصل دراسي آخر داخل مدرسة مملكة البحرين، غرب غزة، تجلس الطفلة ريم سكيك «13 عامًا»، على أحد المقاعد الدراسي، وتقول: «لم أشعر بقدوم الإجازة الصيفية، حرام عليهم اليهود، ما خلونا (لم يدعونا) نفرح، بس (فقط) كنا خائفين».
ومازالت تبكي ريم ثياب العيد التي دفنت تحت ركام منزلهم، وتتساءل عن الذنب الذي اقترفوه ليحرموا من فرحة رمضان والعيد والعام الدراسي الجديد. وتضيف: «هنا في المدرسة لا حياة لنا، نحن لا نملك ثياب، ولا ألعاب ولا غرف خاصة بنا ولا أي شيء، أتمنى أن تتوقف الحرب سريعا ونجد بيتًا جديدًا نعيش فيه، ونعود لمقاعدنا الدراسية».
وداخل المدرسة كان العشرات من الأطفال في ساحتها وممراتها وبعضهم حافي القدمين ومتسخ الثياب، فلا تتوفر في هذه المدارس أدنى مقومات الحياة، كما يقول النازحون. وتقول أسيل محمود، المُسْدِلة ضفيرة شعرها الذهبية، على كتفها أنها «تشعر منذ بدأت الإجازة تشعر بالخوف الشديد، وأصبحت تبكي كثيرًا، ولا تترك أمها طوال ساعات اليوم».
وتضيف أسيل، 10 أعوام: «إسرائيل تقصفنا في كل وقت، لا نستطيع الخروج أو اللعب، وفي هذه المدرسة ازدحام كبير جدا، وحتى فانوس رمضان لم أشتره، ولم نفرح بالعيد والإجازة كباقي أطفال العالم».
وتتمنى أسيل لو أن أي أسرة في المدرسة تمتلك جهاز تلفاز، لتتمكن من مشاهدة الرسوم المتحركة التي تفضلها. وتتساءل: «ألا يفترض أن أكون على مقاعد الدراسة اليوم، أو أن نخرج مع أبي في نزهة، فنحن لم نخرج منذ أسابيع، لماذا نعيش كل هذا الحزن والألم والخوف».

