Close Menu
أرشيف الأخبار
    فيسبوك X (Twitter) الانستغرام
    فيسبوك X (Twitter) الانستغرام
    أرشيف الأخبار
    الاتصال بنا
    أرشيف الأخبار
    الرئيسية » وقت مستقطع من الحرب (21) : إبراهيم زرقاني: البنادق مندسة في أرواحنا

    وقت مستقطع من الحرب (21) : إبراهيم زرقاني: البنادق مندسة في أرواحنا

    بواسطة دابا ماروك25 أبريل، 20224 دقائق
    فيسبوك تويتر بينتيريست لينكدإن Tumblr البريد الإلكتروني
    شاركها
    فيسبوك تويتر لينكدإن بينتيريست البريد الإلكتروني

    هناك من يعتبر «الحرب محاولة متأخرة للحياة». غير أن آخرين، وهم كُثْرٌ، يرون أنها خزان كبير للوجع. وبين هذا الموقف وذاك، يشتغل الأدب على الحرب بتأنّ بارع وهدوء مخاتل، ويضعنا على الطريق السريع للمتع الطائشة، إلى درجة نوع من الإشباع السام.

    في الحرب، تمتلئ النصوص الأدبية بالجثث والخرائب والدماء، كما يحتشد الورق بالقنابل المتعددة الصنع، وحُفَر الحرق، واليورانيوم المنضب، وأيضا بالآثار الفورية للعمى الهائل. كل الحواس تنتبه حين يضغط الموتُ بكل عبثيته على الممرات والجسور والأبواب، وحين تصبح الحشرجة «علامة تجارية». صحيح أن الحرب يصنعها، عادةً، مغامرون أو رماةُ نرد. غير أن السؤال المطروح هنا هو: «هل يمكن الذهاب إلى المستقبل بدون حرب؟»، وهل بوسع الأدب أن ينمو خارج الدماء الهائجة لما يمكن أن نسميه «لحظة الاشتباك مع العدم»؟ الحرب، أيضا، شرخ عظيم في الكينونة، في الشرط الوجودي، كما أن «الضرورة» تجعل منها معضلة أخلاقية مكشوفة، لا يمكن تجاوزها فكريا. في هذه الشهادات عن الحرب، مع الكتاب والمبدعين والمثقفين والفنانين، نشعر بأن إشعاعاتها لا تستثني أحدا، سواء أكان في قلبها أم على هامشها، قريبا أم بعيدا، عسكريا أم مدنيا، مناصرا أم معارضا، حيا أم ميتا. نشعر بالدخان والغبار يصل إلى الحلق، ونقاسي شح التموين، ونحس بانقطاع الماء والكهرباء، ونسمع لعلعة سيارات الإسعاف، وتتخاطر في أحلامنا الدبابات والمقنبلات والصواريخ المضادة للطائرات، وكل الخرائط تبدأ في الفركلة داخل رادارات عسكرية، تتهددها بالخراب المبين.. من منا لا يتذكر حرب الستة أيام التي أجهزت على تضخم الذات العربية لتتحول إلى قزم، وليعود المثقفون والكتاب إلى بيوتهم مطأطئي الرؤوس، تملأ نفوسهم الحسرة. كتابات كثيرة حاولت قراءة هذه الهزيمة التي لم تستوعبها الأمة العربية التي باتت الآن هباء. ستة أيام رقم لا يرقى إلأى سبعة أيام، لأنها الوقت الكافي للخلق. لكن ستة أيام ناقصة والخلق تحول إلى اجهاض للحلم العربي. منذ ذلك الزمن “سقط القناع عن القناع”، كما كتب محمود درويش، واكتشفنا وجه الأكذوبة التي كان ينام على وسادتها جل العرب، انتهت الأسطورة وعدنا من حيث أتنينا نجر ذيول الهزيمة. الحرب بالنسبة لي، ظلت دوما مقرونة بالهزيمة. ليس هناك منتصر في الحرب. لأن الحرب تدمر وتمحي الأثر. أتذكر رونيه بيرين، المصور السويسري، الذي اشتهر بتصويره لتشي غيفارا. فقد كان مدعوا لتغطية حرب الستة أيام، يتذكر أنه حينما كان يصور في صحراء سيناء ، لفت نظره يد جندي خارج الرمال. يد تحول لونها إلى السواد جراء الشمس الحارقة هناك. الجسد مطمور واليد تطل عليه مثل نداء. آنذاك تذكر اللوحة الشهيرة للرسام الاسباني غويا التي رسم فيها يد رجل ميت، وقد كتبت عليعا كلمة «نادا» بالإسبانية (التي تعني لا شيء). هذا ال» لا شيء» هو الذي يربطني بالحرب كمفهوم مغلوط لحل مشكلات العالم. لكن يبدو أن الحرب مندغمة في الحمض النووي للإنسان، لابد له أن يريق الدماء كي يعتلي ربوة الخراب ويتأسف على هذا العالم، نوع من التراجيديا البكائية على هذا الوجود الذي زُج فيه الانسان رغما عنه، والذي وجد نفسه مرميا في هذا العالم مع الحكم عليه بالموت. هذا الخوف الرهيب من الموت فاقم هذا الإحساس المرعب الذي جعل الإنسان آلة رهيبة لتسريع وتيرة الموت. الحرب قرينة المحو، الغبار المتناثر في أرض اليباب. من عاش الحرب وهو طفل تشيخ روحه ولا يعرف للطمأنينة أي طريق. هؤلاء الذين أشعلوا الحرب ستبقى روحهم هائمة وعيونهم فارغة من أي نور. واهم ذلك الذي قال إن الحرب لابد من وجودها كي يعرف الانسان طعم السلام. لا سلام بعد الحرب. الحرب جرح لا يندمل، والذين عاشوا تلك اللحظات العصيبة التي يصبح فيها الموت مشهدا يوميا يعرفون إلى أي حد أن حياتهم الآن أشبه بموت مؤجل. من قبل، كنا نقرأ عن الحروب التي لا تنتهي. والآن أصبحت الصور تندلق من شاشات التلفزة والهواتف. أينما وليت وجهك، فهناك حرب مشتعلة في مكان ما. حياتنا أصبحت حربا لا هدنة فيها. لذا أصبحت الكتابة نوعا من الهروب الكبير من أتون الحرب. أصبحت الكتابة شجرة وارفة الظلال، نستظل بها من وهج نار الحرب وننصت للسلام الداخلي. كيف نكتب عن الحرب التي أجهزت على ذاكرتنا، وغطت بوشاح أسود وجوهنا. الحرب اغتالت طفولتنا، ولم نعد أبرياء. نهرب من الحرب إلى الحلم ونرسم بالكلمات التي لم تتحول إلى أشلاء مدنا يسكنها الصمت، مدن هجرتها الطيور، ولم تعد تغرد في الصباح خوفا من أن تقنصها البنادق المندسة في أرواحنا. نكتب دوما لأننا نحب الحياة، والحياة لا تقيم في منازل الحرب. نكتب على الصفحات البيضاء وننشرها كالرايات البيض استسلاما، أو رفضا قويا، لكل هذا القتل الذي تزرعه الحرب. نوع من المقاومة المستحيلة التي نوهم بها أنفسنا كي نجمل وجه العالم، لتبقى الكتابة واحدة من القلاع الحصينة للأمل والحياة. المهجع الوحيد لهؤلاء الحالمين بأرض الهناءة والذهاب بعيدا إلى أقاصي الحلم. ستظل الحرب ذلك المكان المرعب الذي لا تذرعه سوى الخفافيش. ليل الموت الكريه الذي لن يوقد ناره سوى القتلة. أما الكاتب فهو مدعو ليحرس بعينيه العاشقتين ذلك الصباح الذي يتنفس عطر سلام أبدي.

    المصدر: سعيد منتسب نشر في الاتحاد الاشتراكي

    شارك هذا الموضوع:

    • شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
    • المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
    • المشاركة على WhatsApp (فتح في نافذة جديدة) WhatsApp
    • اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
    • المشاركة على LinkedIn (فتح في نافذة جديدة) LinkedIn
    • إرسال رابط بالبريد الإلكتروني إلى صديق (فتح في نافذة جديدة) البريد الإلكتروني

    مقالات ذات صلة

    أخبار
    شاركها. فيسبوك تويتر بينتيريست لينكدإن Tumblr البريد الإلكتروني
    دابا ماروك
    • موقع الويب

    المقالات ذات الصلة

    قانون المالية 2026.. الحكومة تقبل 72 تعديلا بمجلس المستشارين

    4 ديسمبر، 2025

    هذا موعد الافتتاح الرسمي لحديقة عين السبع بالدار البيضاء

    4 ديسمبر، 2025

    خط جوي جديد ومباشر يربط الدار البيضاء بلوس أنجلوس

    4 ديسمبر، 2025
    اترك تعليقاً إلغاء الرد

    مراكش تحافظ على تراثها العريق.. «باب أحمر» يعود ليزهر من جديد بفضل ترميم هندسي متقن

    14 أكتوبر، 2026

    مجلس النواب: الكشف عن رؤساء تسعة فرق ومجموعة نيابية مع حضور نسائي مميز

    14 أكتوبر، 2026

    تأجيل محاكمة “ولد الشينوية” في مراكش لاستدعاء الشهود المهمين في القضية

    14 أكتوبر، 2026

    الإدارة العامة للأمن والمؤسسة الوطنية للمتاحف توقعان اتفاقية شراكة لحماية التراث الثقافي والمتحفي في المغرب

    14 أكتوبر، 2026

    ريشة عينوش: سيناريوهات الجزائر التي لا تُغني ولا تُسمن من جوع

    14 أكتوبر، 2026

    رئيسة الشرطة السويدية تُثني على نظيرتها المغربية بعد إلقاء القبض على 5 مطلوبين في شهر واحد

    14 أكتوبر، 2026

    عاجل: جلالة الملك يستقبل رئيسة الحكومة المغربية

    14 أكتوبر، 2026

    الأمن بأكادير يوقف سويدي مطلوب دولياً في قضايا القتل والاتجار بالمخدرات

    14 أكتوبر، 2026

    عمر هلال: الحكم الذاتي في صميم تقرير المصير وطي صفحة الاستفتاء وفق رؤية بنطلحة الدكالي

    14 أكتوبر، 2026

    مجلس النواب يحتفل بانتخاب هياكله الجديدة في ظل مشاورات تشكيل الحكومة المغربية

    14 أكتوبر، 2026

    استثمار ضخم يتجاوز 1.3 مليار دولار.. العملاق الصيني «غوتيون» يبدأ تجارب تشغيل مصنع البطاريات في القنيطرة

    14 أكتوبر، 2026

    استنفار أكثر من 500 عنصر وطائرات “كنادير” لمواجهة حريق غابة “زعرورة” في العرائش

    14 أكتوبر، 2026

    المجموعة الصحية بفاس تكشف تفاصيل تدخلها لإنقاذ طفلة تعرضت للدغة أفعى في تاونات

    14 أكتوبر، 2026

    مندوبية التخطيط: حرب إيران تُحدث جلبة في سوق الطاقة.. ونمو الناتج الداخلي الخام في المغرب سيصل إلى %4,1

    14 أكتوبر، 2026

    تأجيل جلسة محاكمة «الشيخة الطراكس» ودخول جمعية مدنية يدفع الملف لعرض الأدلة الرقمية

    14 أكتوبر، 2026

    السفير هلال: القرار 2797 يفتح أفق جديد للأمم المتحدة نحو تسوية عادلة لقضية الصحراء المغربية

    14 أكتوبر، 2026

    صويلح يدخل عالم «وان مان شو» بأول تجربة فنية له في المغرب

    14 أكتوبر، 2026

    الجزائر: بعد تسع سنوات من انطلاقها.. مطبعة النقود تواصل العمل بلا انقطاع

    14 أكتوبر، 2026

    دبلوماسية الإمبراطوريات: ندوة مثيرة بمؤسسة المعهد الملكي لأبحاث تاريخ المغرب

    14 أكتوبر، 2026

    صحة عمدة طنجة تتدهور، وتأجيل الاستنطاق إلى نونبر

    14 أكتوبر، 2026
    فيسبوك X (Twitter) الانستغرام بينتيريست
    © 2026 داباماروك .

    اكتب كلمة البحث ثم اضغط على زر Enter