يستعد ملايين المغاربة لسنة عجفاء بسبب تكالب الجفاف وتداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية. وتتجه الأنظار إلى الحكومة، باعتبارها مدبرة الشأن العام الوطني، بسؤال عريض حول مصير الميزانية التي اعتمدتها قبل شهور، وإن كانت وعودها وخططها لا تزال صالحة بعد أن انقلب السياق رأسا على عقب، أم أنها ستطرح ميزانية معدلة تأخذ بعين الاعتبار سياقات الواقع الجديد وما تتطلبه من تدابير وخطط لمواجهتها.
أما آن الأوان للحكومة لتطرح قانون مالية معدل تدور أولوياته
الجديدة
حول مواجهة كارثة الجفاف في الوسط القروي وتداعياتها على المستوى الوطني، وتحصين البلاد من المخاطر المرتبطة بالاندلاع المتوقع لأزمة مالية عالمية غير مسبوقة بسبب فقاعة “السندات” التي يعتقد المحللون أنها ستكون أكثر كارثية من فقاعة الرهون “سيببرايم” التي عرفها العالم قبل سنوات؟.
في هذا السياق يواجه الاقتصاد الوطني تحديين كبيرين، الأول يتعلق بانكماش الطلب الداخلي بسبب الجفاف، والثاني يتعلق بانكماش الطلب الخارجي على الصادرات والسياحة، إضافة إلى تأثير التقلبات الإقتصادية في أوروبا وغيرها من بلاد المهجر على تحويلات مغاربة العالم. واستنادا إلى ذلك خفض المتتبعون توقعاتهم لنمو الاقتصاد المغربي إلى ما دون 2 في المائة، ومنهم من لم يستبعد نزول معدل النمو إلى ما تحت الصفر.
لكن يبدو أن الحكومة في واد والواقع في واد آخر، فبدل فتح نقاش عام حول الوضعية الصعبة وإعداد المواطنين لمواجهتها، وبدل البحث عن بدائل وحلول، تفاجئ الحكومة الرأي العام بالانغماس مجددا في صراعات داخلية بين مكوناتها التي تتخبط في أزمة ثقة حادة ما فتئت تطفو إلى السطح بين الحين والآخر، والتي قد تتفاقم مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.
ومند تولي الحكومة الحالية جعلت من التقشف عقيدة ثابتة في تدبيرها للشأن العام. فباسم التنافسية الاقتصادية مارست الضغط على «نفقات العمل» وتجميد الأجور، وباسم التحكم في المديونية والعجز مارست الضغط المفرط على النفقات العمومية. وفي هذا السياق أغلقت الحكومة قنوات الحوار الاجتماعي متسببة في الرفع من حدة التوتر الاجتماعي. والنتيجة حرمان الاقتصاد الوطني من أكبر محركات عجلة النمو، ألا وهو الطلب الداخلي.
والآن وفي سياق الأزمة، ما هو الهامش المتبقي للمواجهة بعد سنوات من التقشف المفرط؟ فهل للحكومة خطة بديلة أم أنها ستكتفي بدس الرأس في الرمال وانتهاج سياسة النعامة في انتظار انقضاء الأشهر الأخيرة من ولايتها “بسلام”؟.
في إطار ميزانيتها الحالية وعدت الحكومة باستثمارات عمومية تناهز 189 مليار درهم، منها 62 مليار درهم كاستثمارات للميزانية العامة والباقي موزع بين المؤسسات العمومية. فهل هذه الأرقام لا تزال قابلة للتحقيق في ظل تداعيات الأزمة العالمية والجفاف على الاقتصاد الوطني، وكيف سيتم تمويلها في ظل انعكاسات هذه التداعيات على المحاصيل الجبائية وغيرها من مداخيل الميزانية؟.
من أبرز الأهداف التي حددتها الحكومة ضمن ميزانيتها للعام الحالي حصر عجز الميزانية في مستوى 3.5 في المائة، بعد إنزاله إلى 4.3 في المائة العام الماضي و4.9 في المائة العام الأسبق نتيجة التقشف الممنهج، والذي قوض القدرة الشرائية لأوسع الشرائح الإجتماعية متسببا في انحسار الطلب الداخلي وتقليص دوره في جر عجلة النمو الاقتصادي. فهل ما زالت الحكومة متمسكة بتحقيق هذا الهدف وهل ستطلب من المغاربة المزيد من شد الحزام رغم أنه وصل العظم.
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

