عبد الباري عطوان
غزة انتصرت.. والمقاومة انتصرت.. وإسرائيل خرجت من هذه الحرب مهزومة مدمرة معنويا، مكروهة عالميا، ومعها كل العرب الذين تواطؤوا معها وصمتوا على عدوانها وباعوا ضميرهم وأشقاءهم.. وحالهم حال أبو رغال أو يهوذا الأسخريوتي الذي تآمر على سيدنا المسيح.. ولكن هم الذين دفعوا دنانير الذهب والفضة للمحتل المعتدي.
نتنياهو قبل الهدنة -ليس رأفة بأطفال غزة، الذين تفنن في سفك دمائهم ومطاردتهم حتى في مدارسهم، ومستشفياتهم المعدمة التي كانوا يرقدون على أسرتها، وإنما لأنه جبان- لم يجد مقاتلين يقاتلهم، ولا قواعد صواريخ ليضربها ولا بنوك أهداف ليجهز عليها.
الجيش الإسرائيلي، رابع أقوى الجيوش في العالم، لم يستطع أن يتقدم مترا واحدا في غزة أو خانيونس أو رفح أو دير البلح أو بيت حانون، «الميركافا» الدبابة الإسرائيلية التي تعتبر فخر الصناعة الإسرائيلية «روكيت» أو «عرقبت» وفق تعابير أهل القطاع الأبطال الصامدين، أي أنها جبنت عن دخول المدن خوفا ورعبا لأنها لا تعرف، ولن تعرف، من أي فوهة أو حجر سيخرج لها أبطال المقاومة الصناديد، الرجال في زمن عز فيه الرجال وكثر فيه أرباعهم، ونحن نتحدث هنا عن قادة الجيوش العربية وجنرالاتها الذين يفتخرون بأنهم تخرجوا من أرقى الأكاديميات العسكرية الغربية مثل «ويست بوينت» الأمريكية و»ساند هيرست» البريطانية حيث علموهم الرعب والخوف، وزرعوا في نفوسهم مقولة إن إسرائيل لن تهزم.
أبطال غزة تعلموا في أكاديميات الكرامة وعزة النفس والشجاعة والإيمان بالله وحتمية النصر والثقة بالقدرات الذاتية، والفوز بالشهادة، والتطلع إلى الانتقال من دار الفناء إلى دار البقاء، عبر أقصر الطرق إلى الشهادة، والقتال حتى نيلها، ولهذا سادوا وارتقوا إلى أعلى درجات الشرف، وهبط الآخرون إلى أدنى درجات الذل والهوان.
نتنياهو انهزم لأنه لم يواجه جيوشا عربية جرارة وقادة متكرشين متحمسين يعلقون نياشين وهمية، علقها على صدروهم زعماء متخاذلون.. ونتنياهو انهزم لأنه حارب أحفاد أحفاد القسام، وخالد بن الوليد، وصلاح الدين وأبوعبيدة الجراح، وطارق بن زياد، وكل رموز العروبة والإسلام الذين دخلوا التاريخ من أوسع أبواب الشجاعة والمروءة والإيمان بالنصر حتى نالوه، أو استشهدوا من أجله، وكانوا هم الفائزون في الحالين.
أربعة أسابيع من الصمود لم يصرخ أهل غزة، ولم يتسولوا وقفا لإطلاق النار مثلما يريد بعض العرب الذين كانوا ينتظرون بلهفة رايات استسلامهم، رافعين رؤوسهم، ولا يستعينون إلا بالله وليهم وناصرهم، وتجاهلوا أو احتقروا كل الجيوش وجنرالاتها ومئات المليارات التي جرى إنفاقها على تسلحيها.
الأنفاق بقيت.. والصواريخ مازالت باقية شامخة، والمقاتلون الأشداء مازالوا أيضا صامدين مثل الرماح انتظارا لمعركة قادمة، وهي قادمة حتما، والمسألة مسألة وقت، وتوقيت، فالخراب في الحجر أما النفوس فمازالت عامرة بالإيمان والثقة بالنصر والتطلع إلى الشهادة.
المستوطنون الإسرائيليون يعيشون حالة الرعب التي لم يعيشوها على مدى ستين عاما وأكثر، وممن ومن أين؟ من قطاع غزة الصغير في حجمه، الكبير برجاله وأبطاله، فأطفاله يولدون جبابرة، ونساؤه الولادات يرضعنهم حليب البطولة والشهامة والشجاعة، وهي كلمات انقرضت من قاموس الكثير من الزعماء العرب وقادة جيوشهم.
نكتب بعاطفة.. نعم.. لأنه لا يوجد وقت لصف الكلام، ويجب أن نرتقي إلى مستوى الحدث، ونقولها للمرة الألف.. نكتب بفخر بأشقائنا وشقيقاتنا وأبنائنا وأحفادنا الذين سطروا حروفَ وخطوطَ هذه الملحمة الجهادية النضالية.
في غزة.. نكتب لنقبل رؤوسهم.. وفرش الماء الرطب على أضرحة شهدائهم.. ونتلمس جراح من تأجلت شهادته إلى معركة قادمة.
إسرائيل لم تحتلَّ ولن تحتل قطاع غزة، وحربها البرية كانت أكذوبة، وطائراتها أمريكية الصنع لم تقتل إلا الأطفال فقط، ولم تدمر قاعدة صاروخية واحدة؛ فالجيش، الذي يصف نفسه ويصفه حلفاؤه وداعموه في الغرب بكونه يطبق أعلى المعايير في الدقة والأخلاقيات، لم يقتل إلا الأطفال وبيت العجزة والمدارس والمستشفيات؛ أما «الإرهابيون» من رجال المقاومة الصناديد فلم يقتلوا غير الجنود ولم يدمروا غير «الميركافا»، وهنا الفارق الواسع في القيم العليا والأخلاقيات، ولهذا ينتصر هؤلاء وينهزم
المعتدون.
نسأل وبكل جدية أين قائمة التصفيات التي وضعها نتنياهو لقادة المقاومة، وأجنحتها العسكرية؟ ها هم أحياء صامدون: محمد الضيف، مهندس هذا الصمود العسكري، وإسماعيل هنية، ومحمود الزهار، وخليل الحية، وكل قادة الأذرعة العسكرية «سرايا الجهاد» و»لجان الناصر صلاح الدين» و»المقاومة الشعبية» و»أبو علي مصطفى» و»كتائب أبو الريش» و»جهاد جبريل» و»جيش الإسلام» والقائمة تطول، فهؤلاء المجهولون وغيرهم من صنعوا هذا النصر، إنهم يخططون ويدرسون ويبنون ويطورون استعدادا للمعركة القادمة، حيث سيكون الأداء أعظم والمعجزة أكبر.
شكرا لأهلنا في قطاع غزة، نقولها من القلب.. وشكرا لأبطال المقاومة الذين رفعوا رؤوسنا عاليا.. وشكرا لأمهات الشهداء والجرحى وآبائهم.. والعار كل العار لمن تواطؤوا مع العدوان ومازالوا.. والعار كل العار لكل الجنرالات المتكرشين وزعمائهم.. والمجد كل المجد لهذه الأمة وهذه العقيدة.

