هل الكاتب حر في ما يكتبه، وهل ما يدفعه الى الكتابة هو حريته أم البحث عنها؟
سؤال الحرية والابداع سؤال ملتبس وعميق في حمولته، فالحرية هي القيمة الإنسانية الأكثر ارتباطا بالأدب، بالنظر الى كون العمل الابداعي هو ممارسة وفعل حر، وفي نفس الوقت فعل ينشد الحرية للآخر كحق مقدس.
فالمبدع أيا كان حقل إبداعه، مطالب بأن ينتصر للقضايا الإنسانية العادلة وأولها الحرية وهنا يلتقي مع السياسي، وحريته تبدأ من حرية اختيار الفكرة والموضوع والتوغل فيه دون وصاية أو توجيه… حريته هي أن يتنفس قلمه بعيدا عن أقبية المخافر وأعين الرقابة ونظار الحسبة الفكرية كما حصل قبل يومين مع الكاتب السعودي زهير الكتبي بسبب دعوته الى إجراء إصلاحات داخل المملكة، ليحكم عليه بأربع سنوات سجنا وبالمنع من الكتابة لمدة 15 سنة، وقبله الشاعر أشرف فياض المحكوم بالإعدام، بسبب قصيدة.
فهل حرية الأدب مجرد خرافة مادام الكاتب يكتب تحت رقابة الآخر وقبله الأنا التي تمسك بيده إلى حيث لا يتعارض مع قيم المتلقي.
الحرية والأدب توأم سيامي وكل محاولة لفصلهما منذورة للموت. فالحرية إكسير الادب وهي ما يمنحه جذوة التمرد ورفض الكائن، وحين يستطيع الكاتب الكتابة دون الحاجة الى الحرية، حينها فقط يصبح متحررا: متحررا من الداخل أي من سيف المألوف والسائد، ومن الخارج أي من قمع السلطة سواء كانت سياسية، دينية، قيمية لأن المبدع الحقيقي مثل طائر الكويتزال ( طائر الحرية) حينما يُسجن، ينتحر، عكس الببغاء الذي يجتر المكرور. .فالأدب المسيج الذي لا يملك صاحبه فيه سلطة على اللغة، .. لن ينفلت من المواضعات والإطارات التقليدية ليصبح بالتالي مجرد محاكاة ويفقد قدرته على الفعل والتفاعل ويحمل داخله اسباب موته «الكاتب الذي يتغنى بالحرية من غير أن يكون مستعدا أن يلعن سراقها، ليس أكثر من بائع بصل».
ربما يثار السؤال حول النوع الادبي الذي تفرد فيه الحرية جناحيها أكثر، هل هو الرواية أم الشعر، فيأتي الجواب أن الحرية شرط الأدب، وأن الأدب ترمومتر الحرية، كما أن الرواية تتحرر أكثر في المناخ الديمقراطي، والقصيدة تضحك ملء شدقيها حين يعبر رئتيها هواء نقي. القصيدة «حرية طارئة» كما اعترف الشاعر السوري فرج بيرقدار، فيما الرواية
«إقليم
الحرية» كما قال الكاتب الانجليزي هنري فيلدينغ، وفيهما فقط يمكن قياس مساحة الحرية وحجم الذخيرة التي تختزنها كل واحدة بصدرها لتوسيع هذه المساحة عند الأنا والاخر والدفاع عنها ف «الكلمات مسدسات عامرة بقذائفها» على حد قول بريس بارين، والمبدع والقناص الحقيقي، هو من يصيب طريدته الحرية وينتصر لها كقيمة وجودية بدونها يغدو أسيرا، أو مجرد «حانوتي» يحنط الأدب ويقتل الروح التي ترقص داخله.
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

