حدثونا كثيرا عن مسلسل الانتقال الديمقراطي الذي يعيشه المغرب، وحدثونا أكثر عن تبني المغرب لخيار اللامركزية الإدارية، كأحد أهم دعائم الديمقراطية في العالم. أخبرونا أنه في إطار هدا النظام بإمكان المواطنين أن يقوموا بتسيير شؤونهم المحلية بأنفسهم عن طريق انتخابات جماعية نزيهة. كما بالغوا في إخبارنا عن الدور الكبير للمرأة في إنجاح هده التجربة.
أذكر جيدا حينما كان أستاذ القانون الإداري بجامعة عبد المالك السعدي يلقننا أسس ومبادئ اللامركزية الإدارية، حينها حلمت بأنني يوما سأقوم بتسيير شؤون مدينة طنجة عن طريق انتخابات جماعية نزيهة. ولكن الواقع كان أبعد مما تصورته. إن الانتخابات النزيهة والجو الديمقراطي الذي طالما حدثنا عنه أستاذ القانون الإداري، لا يوجدان إلا في محاضراته وكتبه، أما الواقع فشيء آخر. فوجئت في هده الانتخابات بأكثر من اتصال هاتفي من أحزاب مختلفة يدعونني للمشاركة معهم في الانتخابات بصفتي امرأة، أو بمعنى أخر أرادوا صورة نسائية لتزيين اللوائح. هكذا كانت مشاركة المرأة في الانتخابات الجماعية لعام 2009, فهم يصنعون اللوائح وفي النهاية يتذكرون أن قانون الانتخابات الجديد أجبرهم على إدماج المرأة في الانتخابات فيسارعون إلى البحث عن وجوه نسائية، وكيف لا وهم أحرص ما يكون على تطبيق القانون. ولكن هل مشاركة المرأة في الحياة السياسية بالمغرب لا تعدوا أن تكون مجرد تطبيق سطحي للقانون؟ وهل المرأة نفسها تعي جيدا الدور المنوط بها في الحياة السياسية ؟ إن كثرة الاتصالات التي تلقيتها من أجل المشاركة في القوائم الانتخابية، قادتني إلى الإحساس بعدم الاعتداد الجدي بدور المرأة في الحياة الانتخابية، بل قادتني إحدى المكالمات إلى الإحساس بعدم جدية ومصداقية العملية الانتخابية برمتها. إذ خاطبني احدهم قائلا أنا وكيل اللائحة وسأجعلك وكيلة اللائحة النسائية، سألته ما اسم الحزب الذي تنتمي إليه وما هي الإيديولوجية التي تدافعون عنها وما هو البرنامج الذي تسعون إلى تحقيقه في حالة فوزكم ؟ ردا قائلا أنا لا أعرف جيدا ما تقولينه و لكن أؤكد لكي أننا سنفوز في الانتخابات . وبالفعل كان الرجل محقا وفاز في الانتخابات . وهكذا استنتجت أن الانتخابات في بلادنا هي صراع من أجل المصالح الخاصة و ليس كما كنت أتوقعه صراع من أجل المنعة العامة. في هده الانتخابات تبين لي أن السياسة لعبة أكبر مما قرأت عنه في الكتب، و أن من يمارس السياسة عليه أن يكون تلميذا نجيبا ” لمكيافلي ” وأن يخفض جيدا كتابه المعنون ” بالأمير “. وعلمتني الانتخابات الجماعية كذلك أنه لا للصداقة في السياسة، وأنك لتكون سياسيا ماهرا يجب أن تضحي بأعز أصدقائك إدا كانت مصلحتك الشخصية تتطلب ذلك. ولتكون سياسيا محنكا عليك أن تحطم كل من يشكل خطرا أو عقبة في طريقك. علمتني السياسة أنه لا شفاعة للأصدقاء وأن البقاء للأقوى، واكتشفت أن السياسة حرب تستعمل فيها الأسلحة المباحة وغير المباحة. ولعل أغرب ما تعلمته في هذه الانتخابات أن بعض من نزلوا في اللوائح الانتخابية هم مجرد صور فمنهم لا يعرف حتى اسم الحزب الذي تتوسط صورهم قوائمه الانتخابية. وأخيرا علمتني الانتخابات أنها تصنع قبل الأوان وأن النتائج غالبا ما تكون شبه محسومة قبل الانتخابات. لأجل كل هدا فضلت في هده الانتخابات أن أشاهد المسلسل من خارج اللعبة دون أن أشارك فيها شخصيا، وهكذا رفضت المشاركة في الانتخابات الجماعية. ولكن عدم مشاركتي في هده الانتخابات لا يعني أنني لن أشارك مجددا في الحياة السياسية، فانا أومن بالدور القوي والفعال للمرأة في الحياة السياسية و لكني لن أشارك في الانتخابات كلما تبين لي أن من يخوضونها أناس من صنف هؤلاء اللذين عرفتهم في هذه الانتخابات الجماعية . ولأستاذ القانون الإداري أقول له أن التاريخ سيخلد أفكاره عن اللامركزية الإدارية وعن ديمقراطية الانتخابات ولكنه لن يخلد أبدا أولئك اللذين خاضوا حروبا قدرة للفوز بالانتخابات.
المصدر: حفصة الرحموني نشر في السند

