● حينما تذكر فنون القراءات القرآنية يأتي المغرب في صدارة الدول المعنية بهذا الشأن، لماذا ؟
●●لأن المغرب تاريخيا هو بلد قراءات، عرف هذا العلم منذ الفتح الإسلامي، بل حتى قبل أن تستقر رواية ورش في المائة الثالثة من القرن الهجري. فقد قرأ المغاربة بكل القراءات التي حملها جنود الفتح، قرؤوا بقراءة «ابن عامر» في شمال إفريقيا كلها تقريبا، وقرؤوا بقراءة «الإمام حمزة»، قبل أن يستقر الوضع على قراءة «الإمام نافع» في شمال افريقيا بشقيها : «قالون» في ليبيا وتونس، و«ورش عن نافع من طريق الأزرق»في كل من الجزائر والمغرب وموريتانيا والسينغال ومالي والنيجر ودارفور.وهذه البلدان في الحقيقة كانت تابعة للمدرسة المغربية، وكان ذلك بحسب الطلبة الذين كانوا يفدون من هذه الربوع الإفريقية إلى جهة من الجهات ب«القرويين» أو «مولاي يوسف» أو «أكلوا»… أو إلى مدرسة من المدارس بها فيعودون إلى بلادهم متشبعين بالمذهب الفقهي وبالسلوك وبالتصوف والقراءة والرواية..بل بكل الدراسات الأدبية والأشعار والكتب المعتمدة… فقد كان إشعاع المغرب الذي نتمنى بإذن الله أن يعود إلى هذه الربوع كان كبيرا جدا. أملي أن نعود بثقلنا إلى هذه البلاد، فبحكم علاقاتي مع قرائها سواء في السنغال أو موريتانيا أو غينيا أو مالي،أجد منهم شبه مرارة وعتاب أحباب، فهم يطالبون بتزويدهم بالمصاحف المغربية التي بدأت تفتقد في هذه الربوع وتحل محلها مصاحف دول أخرى، وبعض المدارس التي كانت صلتها وثيقة جدا بأمهات المدارس العتيقة والجامعات العلمية بالمغرب، بدأت في العقود المتأخرة تشكو من قلة التبادل الثقافي والمعرفي والوثائقي. لكن في هذه العشرية الأخيرة التي عشناها مع أمير المؤمنين الملك محمد السادس حفظه الله بدأت تتغير هذه الأمور، سواء على مستوى داخل المغرب الذي بدأت به صحوة كبرى للقرآن الكريم مرة أخرى، سنقف عليها عند الحديث عن المدارس العتيقة.أو على مستوى التعاون الخارجي، وخاصة في اعتزام المغرب ممثلا في وزارة الأوقاف والشؤون الاسلامية، بتزويد هذه الربوع بالمصحف المحمدي المطبوع في عهد الملك محمد السادس، وفي التبادل الثقافي (مثلا الطريقة التيجانية بين المغرب والسنغال…). ● المغاربة إذن، أخذوا القراءات منذ فجر تاريخها، لو تقربنا فضيلة الشيخ من مؤشرات ذلك؟ ●● المغرب تاريخيا بلد قراءات كما قلت، أولا لتمسك المغاربة بكل ما جاء من المدينة سواء في العقيدة أو المذهب الفقهي أو القران الكريم، وثانيا لأن أعلام القراءات الذين يقر أ العالم الآن بمضمون كتبهم، انطلقوا من الغرب الإسلامي. فالإمام»الداني» الذي لا يكاد أحد يفتح فمه بالقرآن الكريم إلا وهو معول على كتاب من كتبه، أو على منظومة من منظومات الإمام «الشاطبي» الذي سخره الله لخدمة كتب الإمام «الداني». فكل من الإمام «أبو عمرو الداني» المتوفى سنة 444ه و«الشاطبي» المتوفى سنة 590، انطلقا من المغرب. وأشير هنا إلى أنه حين نقول «المغرب»، فإننا نعني امتداده الجغرافي والعلمي ونفوذه السياسي. فقد كانت المدرسة المغربية تمتد من الأندلس إلى تومبوكتو في مالي، ومن المحيط الأطلسي إلى برقة في ليبيا. لذلك فحينما تطلق المدرسة المغربية فالمقصود هو هذا الذي ذكرنا. ولهذه المدرسة طبعا تيارات أو لنقل معالم أو واجهات تمثلها، مثل سجلماسة وابن يوسف«القرويين» في المغرب، و»تلمسان» بالجزائر وهي قرينة وشقيقة للقرويين أو القيروان و»الزيتونة» بتونس.. إذن، فالمغرب بلد القراءات للسبب التاريخي المذكور، ثم لأن حملة القراءات الذين عول العالم عليهم انطلقوا من هذه البلاد، فتوجهوا نحو المشرق قرؤوا وأقرؤوا فيه ثم عادوا إلى بلادهم أو ماتوا هناك، ولكنهم تركوا الأثر وورث المغاربة منهم هذا الحدب على علم القراءات. فلا تكاد تجد قبيلة من قبائل المغرب إلا ويؤسس فيها مسجد إلى جانبه مدرسة علمية لتكريس العلم الشرعي، ومدرسة قرآن عبر مراحلها: الكتاب للمبتدئين، ثم مدرسة وسطى لتحفيظ رواية ورش وهي رواية العامة الرسمية، ثم مدرسة تتخصص في القراءات كلها وتنقل موروث المغرب الذي يتميز به أو لا يتوفر إلا في هذه البلاد. وسنتطرق إلى ذلك بتفصيل عند الحديث عن «العشر النافعية». وهكذا عمدت كل القبائل المغربية منذ الفتح القرآني (إن جاز القول) على هذه الشاكلة التي شجعها ملوك البلاد وخصصوا لها الدخول والأوقاف، كما عملت القبائل على تخصيصها بما يسمى ب«العشور» وهي الزكاة والحفاوة والرعاية التي يغدقها المغربي أينما كان وفي أي زمان على طالب القرآن وعلى طالب العلم بصفة عامة.
المصدر: التجديد نشر في التجديد

