شئ ما تغير في مصر، صوب الأحسن أمنيا وعلى مستوى عودة ملامح الدولة، مما انعكس على حال رجل الشارع، الذي تستشعره أكثر انخراطا في سبل الإنتاج والحياة. ولعل من ملامح ذلك شكل تفاعله مع أسئلة لحظته السياسية والفكرية والفنية. لأنه جديا، شئ ما تغير في المصري، بكافة شرائحه وفئاته، تجعل اليقين يترسخ أن من يتوهم العودة إلى ما قبل 25 يناير2011 أو 30 يونيو 2012، إنما يسجن نفسه في خانة الخصومة مع حقيقة الواقعة المصرية، كما تتفاعل وتحقق لنفسها تراكما يخلق أسباب اختلافها كتجربة مجتمعية وكتجربة تنظيمية للدولة، مختلف في كل المشرق العربي.
من عناوين ذلك، ما تمنحه للملاحظ، فرصة مهرجان دولي لفن راق من فنون الإبداع، بأبعاد كونية، مثل مهرجان
القاهرة
السينمائي الدولي في دورته 37. فمن خلال أول الإحتكاك مع فضاءات المهرجان المتعددة، قاعات ندوات، قاعات عرض سينمائية، معارض مفتوحة، حجم إصدارات خاصة بالمناسبة (مثل مجلد “فن الأفيش في السينما المصرية”لسامح فتحي، “عمر الشريف، وجوه” لمحمود قاسم، “نور الشريف، وجود بلا أقنعة” لوليد سيف، “فاتن” لطارق الشناوي، ثم “حسن فهمي بين السساسة والسينما” لماجدة موريس).. من خلال ذلك الإحتكاك الأولي تسجل حجم انخراط المواطن هنا
بالقاهرة
، مع سؤال الفن السابع، ليس فقط من خلال حجم الحضور الكثيف إلى قاعات العرض المتعددة بمنطقة الهناجر بدار الأوبرا، والصفوف الطويلة التي تنتظر فرصتها للحصول على مكان للتفرج في مختلف إنتاجات السينما المصرية والعربية والعالمية، بل من خلال المشاركة في النقاشات المفتوحة في الندوات الموازية.
عربيا، يمكن اعتبار المشاركة المغربية
والجزائرية
ذات صدى خاص هنا بالمهرجان، رغم قلة عددها، بسبب ما تطرحه من مواضيع وأساسا ما تثير من إشكالات تواصلية مختلفة، سواء بالإتفاق أو بالاختلاف معها. أي أنه نوع إبداعي سينمائي يخلق الحدث، لكنه للأسف لا يترك دوما الأثر العميق فنيا. من قبيل الشريط الجديد للمخرج
الجزائري
المتألق مرزاق علواش “مدام كوراج” الذي أنتجته مؤسسة إنتاج فرنسية، الذي يحكي قصة ضياع جيل كامل من شبيبة
الجزائر
اليوم، الذي تطحنه أسباب الحياة المدينية، في عالم يتحول من عالم تضامني تقليدي، له كوابح مؤطرة لشكل تنظيم العلاقات بين الفرد والجماعة، إلى عالم متشظي استهلاكي، لا قيمة فيه تعلو على قيمة امتلاك أسباب الرفاه بكل الوسائل الممكنة، المشروع منها وغير المشروع، في نزوع كامل صوب خصومة مقلقة بين الفرد وذاته وبين الفرد والجماعة. ولقد ذهب البعض هنا
بالقاهرة
، إلى محاولة تصنيف فيلم مرزاق علواش الجديد، هذا ضمن خانة “سينما الحقيقة” بالخلفية المؤطرة للمصطلح، أنه فيلم واقعي صادم. وأنه بسبب من تيمته ومن شكل بنائه الدرامي، وتصاعد حبكة قصته، من خلال تجربة حياة شاب خارج من واحد من أحياء الفقر بالعاصمة
الجزائر
، إنما يقدم ليس واقعة فنية صادمة، بل إنه يحاول أن يعكس صدمة الواقع الجديد للفرد
الجزائري
.
الحقيقة إن فيلم مرزاق علواش، مختلف عن كل ريبرتواه السينمائي السابق، أقله من خلال البنية التقنية للفيلم، التي هي مختلفة عن أعماله الرائدة الممتازة، التي سبق لي مشاهدتها بفرح خاص، سواء بالمغرب أو
بالجزائر
أو بدبي، مثل “عمر قتلتوا الرجلة” أو فيلمه التحفة “باب الواد”. ذلك أن اللغة السينمائية المعبر من خلالها عن الواقعة الفنية بفيلم “مدام كوراج”، هي لغة صورة وموسيقى وتحرك شخوص وأضواء وزوايا تأطير، مختلفة كثيرا عن تقنيات ولغة مخرجنا المغاربي الكبير السابقة. وهي اللغة التي جعلت البعض هنا
بالقاهرة
، يعتبر أن الفيلم سقط في تمطيط غير ملزم فنيا، وأن خيط الإبداعية كان ينسل أحيانا بين يدي الصانع الفني الرفيع. متناسين ربما، أن غاية علواش، هي هذه بالضبط ربما، وهي إخراج المتفرج من حالة الإستكانة إلى حالة القلق، بسبب من أنه يسعى إلى أن يقدم سينما فكر وسؤال وليس سينما قصة وحدوثة. ولعل الرسالة الأكبر هنا، هي أن ينقل إلينا قلق الفرد
الجزائري
اليوم، أمام واقع مأزوم، ليس بالضرورة سياسيا، بل كينونيا. وهذا، لعمري، واحد من أكبر التحديات التي تواجه العربي والمغاربي اليوم في يوميه ووجوده. أي تحدي بلورة شكل جديد لممارسة الحياة، مختلف عن ما سبق، ومنخرط في سؤال اليوم، هنا والآن. وأن السقف الأعلى لذلك، هو تحقيق معنى الحداثة، التي ليست مجرد تغيير في الشكل الخارجي لذلك الوجود، بل مصالحة مع الزمن العالمي لإنتاج القيم عالميا.
ها هنا يكمن، في ما أتصور، عمق الشريط الجديد لمرزاق علواش، واختلافه أيضا عن كل ريبرتواره السينمائي السابق. فهو باب للسؤال الواقعي فنيا، عن قلق عميق للفرد في وجودنا المغاربي اليوم. ها هنا احترافيته الفنية وأيضا عمق مقاربته لذلك القلق.
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

