منذ أكثر من عام ونصف، تعيش فرنسا والجزائر أكبر أزمة دبلوماسية في تاريخهما الحديث، حيث تدهورت العلاقات بينهما بشكل غير مسبوق. التهديدات المبطنة، وسحب السفراء، وتجميد التعاون، بالإضافة إلى الحملات الإعلامية المركزة؛ كل هذه العناصر تشير إلى قطيعة جوهرية. ومع ذلك، يبرز تناقض ملحوظ في قلب هذه الأزمة؛ فالموضوع الذي يعتبره النظام الجزائري السبب الرئيسي للقطيعة، وهو اعتراف فرنسا بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، اختفى تماما عن الخطاب الرسمي والإعلامي الجزائري، ليحل محله التركيز على قضايا ثانوية تتعلق بالذاكرة والإعلام.
البداية كانت مع بث برنامج “تحقيق خاص” على قناة “فرانس 2” حيث تم تسليط الضوء على الإشاعات والصراعات التي تشعل الحرب السرية بين الجزائر وفرنسا، مما أدى إلى اندلاع موجة جديدة من التصعيد اللفظي بين البلدين.
في الأسابيع الأخيرة، وبتوافق مع الخطاب الصادر من الرئاسة الجزائرية، توعدت صحيفتان مقربتان من السلطة (مثل “الخبر” و”لو سوار دالجيري”) فرنسا بعواقب وخيمة، مشيرتين بوضوح إلى “نقطة اللا عودة”.
تصاعدت الملاسنات والاتهامات، وأصبحت اللغة المستخدمة في الإعلام هي لغة القطيعة الواضحة. ومع ذلك، يجري التغاضي بعناية عن نقطة الخلاف الجوهرية: الاعتراف الفرنسي بسيادة المغرب على الصحراء. فقد تم تجاهل هذا الحقائق رغم أنه واقع قائم، واعتبر كعنصر حاسم في تفجر التوتر بين الجزائر وفرنسا.
تناولت مقالات “الخبر” و”لو سوار دالجيري”، بشكل دقيق، المآخذ الموجهة إلى باريس، مما يساعد على فهم الاستراتيجية وراء الخطاب الجزائري. المأخذ الأول هو اتهام الفرنسيين بالتشكيك في وجود الجزائر كدولة قبل عام 1830، مما يعتبر اعتداء رمزي يجسد بقايا القاموس الاستعماري. بينما يتجسد المأخذ الثاني في انتقاد فرنسا لممارسات انتقائية في المصالحة، حيث تتزايد المبادرات الرمزية دون الاعتراف الكامل بجرائم الاستعمار.
غموض في قضية الصحراء
يشترك جميع هذه المآخذ في قاسم مشترك مثير للاهتمام: الغياب التام لأي إشارة إلى قضية الصحراء. وهذا الإغفال ليس مجرد صدفة.
الوثائقي الذي بثته قناة “فرانس 2” هو الذي أشعل الغضب في الجزائر، حيث تناول مباشرة اعتراف فرنسا بسيادة المغرب على الصحراء، وهو ما يمثل خطاً أحمر استراتيجياً بالنسبة للجزائر.
شمس الدين حفيظ، عميد مسجد باريس الكبير وسفير الجزائر الفعلي في فرنسا، يحتل مكانة مميزة في الدبلوماسية الجزائرية تجاه باريس. وعلاقته مع الرئيس عبد المجيد تبون تجعله مصدر معلومات موثوق. لذا، فإن تصريحاته حول هذا الموضوع لم تكن مجرد آراء، بل تعكس رؤية رسمية من أعلى مستويات الحكم في الجزائر.
يسترجع حفيظ “الزمن الجميل” الذي كان يجمع بين ماكرون وتبون، ويصف العلاقة التي كانت أقرب إلى الأخوة. لكن، هذا الماضي السعيد أصبح مجرد ذكرى وسط القطيعة الحادة الحالية.
إن ما قيل بين ماكرون وتبون في باري كان له تأثير كبير؛ حيث أفاد حفيظ بأنه عند حديث ماكرون عن اعتراف فرنسا بالصحراء، كان رد تبون حاسماً: “إذا فعلت ذلك، فإن كل شيء سينتهي بيننا”.
بعد ذلك، ردت الجزائر بسرعة، حيث استدعت سفيرها من باريس. هذه الخطوات جاءت كنتيجة لتصور النظام الجزائري بأنها “خيانة استراتيجية” من قبل فرنسا، وهو الأمر الذي شكل صدمة بعد سنوات من التقارب.
في نهاية المطاف، تأكد موقف ماكرون خلال لقائه مع الملك محمد السادس، حيث أكد بوضوح على موقف فرنسا الثابت مما أسماه “مخطط الحكم الذاتي” الذي أصبح في نظره الأساس الوحيد الممكن لحل الأزمة.
هذا الموقف غير القابل للتفاوض جسّد قطيعة دبلوماسية، حيث قررت فرنسا مواجهة الجزائر بجميع تداعيات هذا القرار. وفي تصريحاته، أوضح السفير الفرنسي بالجزائر بأن القرار اتخذ بعد دراسة متأنية، وأن التوتر مع الجزائر كان في الحسبان.
صمت استراتيجية أم خجل من الفشل؟
رغم كل هذه التطورات، لا يزال النقاش حول قضية الصحراء متجنباً بشكل متعمد، في حين يتجه التركيز إلى مسائل الذاكرة والاستفزازات الإعلامية. هذا التجنب لا يمثل نسياناً، بل هو خيار سياسي يكشف ارتباكاً عميقاً في الاستراتيجية الجزائرية.
أولاً، الاعتراف بأن الأزمة مع فرنسا ترتبط بالصحراء يعني الإقرار بفشل الاستراتيجية الجزائرية. ثانياً، العودة إلى النقاش حول الصحراء تعرض النظام لانتقادات داخلية وتكشف عن ضعف خطط الاستجابة.
إن الجزائر في حاجة إلى إعادة تقييم استراتيجيتها الدبلوماسية وإيجاد مخرج من هذه الأزمة التي تسببت بها، حيث يعاني النظام من تداعيات العزلة وفقدان النفوذ في الساحة الدولية.
وبهذا، فإن إدارة الأزمة الجزائرية مع فرنسا تستدعي مراجعة شاملة وجرأة في الاعتراف بالأخطاء، بدل الهروب إلى الأمام في صراعات جانبية لا تفيد في السياق الاستراتيجي المعقد الذي يعيشه الطرفان اليوم.

