إن كان خطابنا متسما بالموضوعية والعدل، فما يقع اليوم في مصر هو إرهاب بنفس المعنى الذي تحول إلى إديولجية محاربة للإسلاميين سنوات التسعينيات واحتد بعد أحداث شتنبر 2001، فترويع الناس والقتل بدماء باردة، وسحل المواطنين، وإحراق المقرات، واللجوء إلى القوة والسلاح، في الحصول على السلطة، وفرض الرأي الوحيد والحزب الوحيد بالعنف، كلها مؤشرات كانت تبنى عليها المحاكمات ويلقى بناء عليها الإسلاميون في السجون، بناء على أدلة وهمية… وكذلك كان.
وفي الوقت الذي تحولت فيه عملية التوثيق إلى مرحلة الدقة، واستطاعة التكنولوجيا فضح البُغاة والغلاة من العلمانيين، وفرز المؤمنين بالديمقراطية ومن يكفر بها، صنع الغرب عيونا من حجر، صماء لا ترى ولا تستطيع أن تبدي موقفا مما يجري في الديار العربية. إن الصراع الحالي في استعمال العنف، كان صراعا لا مفر منه، بعد مرور العلمانية من أنواع عديدة من الحماية: فكانت تحت الحماية الغربية المباشرة، عندما كانت تحمي العلمانيين وجزءا من اليسار، بعد “انسحاب ” الاستعمار، وتوفر لهم اللجوء والقوة والتأطير، والتكوين والتعليم لأبنائهم والأجيال التي تليهم حفاظا على سلالة اللائكية، وبراغماتية المصالح الإقتصادية، واشتدت حماية العلمانيين بإيصالهم إلى السلطة، وهزم الأنظمة التقليدية باستعمال أسلحة عديدة: سلاح تقارير منظمات حقوق الانسان، سلاح التقارير الاقتصادية، والتدخلات المباشرة في الشأن الداخلي للدول…. وكانت الحماية الثانية بعد وصول العلمانيين إلى السلطة، تتسم بالأوج، في التمكين للاقتصادات الليبرالية الغربية، عبر نهج نفس السياسات الاقتصادية في العالم العربي، فبيعت الدول بالجمل والتقسيط… وبعد نهاية الحماية الغربية، وخجل الغرب من نفسه، فيما صار يعرف بالربيع الديمقراطي، عادت الدول الغربية الراعية للعلمانيين إلى الخلف ، ولو قليلا، فاشتدت وحدتهم، وانهالوا ضربا على مبادئهم، ليبدأ التفكير في أساليب جديدة للعودة، بينها العنف، والحشد بالمال، بحثا عن مخرج من الذبول والأفول، تراءت رايات الإسلاميين تعلوا في العديد من الدول وتتكاثر، ما يهدد المصالح ويبرز الطيب من الطالح ويسقط أقنعة الشعارات… لم يجد التيار العلماني غير حليفين جديدين، فالأكثر عداوة للاسلاميين هم محبو الخلد في الكراسي، وموَرثو الأنظمة أبا عن جد، أمراء وملوك الخليج، ومن جهة أخرى جيوش وأجهزة أمنية، ظلت المصالح والاستخبارات الأجنبية تنخر جسمها، ووجدت التيارات العلمانية ظلها في تقارب المصالح بين عقيدة الجيوش وعقيدة ملوك الخليج وأموالهم الضخمة. واللجوء إلى قوتي المال والسلاح من لدن التيارات العلمانية وجزء من اليساريين والحداثيين، يشكل منعطفا خطيرا في التدافع بينها وبين التيارات الإسلامية، ويؤشر على وصول التدافع إلى حالة صدام وخط اللا عودة، فكما كانت التيارات العلمانية تؤمن إيمانا خالصا باستحالة إدماج التيارات المتطرفة المصطنعة في المشاهد السياسية، فإن التيارات العلمانية تسير على نفس النهج، وتمنح للإسلاميين الحق في عملية إقصاء أبدية، لارتباط الأولى بحالة سياسة عالمية عابرة ارتبطت بالتطورات التي عرفتها مجموعة من الدول في صراع الدين والدولة، وارتباط الثانية بصحوة إسلامية عالمية، تفسح المجال أمام تداول جديد على السلطة بين المشاريع المجتمعية الإسلامية نفسها، وتضيق فيها آفاق أي صحوة علمانية في الأفق بعد هذا السقوط الكبير… وهذا ما يفسر “لا رغبة” العلمانيين بالإسلاميين، لأن الغاية التي يأتي بها الإسلاميون إلى السلطة لم تكن في يوم من الأيام السلطة في حد ذاتها، ما دامت خطاباتهم تتضمن إقامة الدين والدولة، وهو في التفسير المناوئ نهاية حتمية للتداول على السلطة، وزحف تدريجي/ أو جذري، على الدولة العميقة والانظمة القائمة، لذا لن يكون الوصول مساسا بصغار المفسدين أو المستبدين فحسب، ولا حتى بالأنظمة في ذاتها، بل يمس تغييرا جغرافيا أكبر وانعطافة تاريخية شاملة، تعد مساسا بالمصالح الكبرى للدول الأجنبية… إننا إزاء مشهد تتقارب فيه مصالح المستبد المحلي مع الاستكبار العالمي على مستوى التهديدات والأهداف.
المصدر: جواد غسال نشر في الرأي المغربية

