هل الكتابة حقا سفر بأثر رجعي؟ هل هي إمساك مذهل بالمسافة الرخوة التي نتفاعل معها ذهابا وإيابا لنكتب تمسكنا المفتوح بالأرض؟ هل بوسع الكتابة أن تتحقق بغير نشوة العبور من منطقة إلى أخرى، وبغير هذا الولع الذي يجعل الحواس تكتشف روائح ولغات وألوانا وتضاريس أخرى؟
أتصور أن الكتابة هي المرفأ الذي تتجمع فيه كل الأمكنة على نحو متناغم وكثيف. وبمعنى آخر، إنها أسفار متقاطعة يزيدها الخيال حرية وتفجرا وسحرا، وتجعل الكاتب خارج الخط المستقيم، أي خارج البعد الهندسي الواحد. ذلك أن الإقامة في البعد الواحد هي إقامة خارج “الحث الكهربائي”، وخارج التفاعل مع ما يجري خلف الباب، أو ما يقع وراء الحدود.
والسفر في الكتابة ليس هو ارتماء اضطراري لمظلي احترقت طائرته، بل هو جوهرها القديم الذي لا يمكن أن تنفصل عنه أو تتنكر له.. فعبرها تنشط الذكريات وتتقاطع وتتسع ويصبح لها وجود مستقل عن الكاتب، وبمقادير مرتفعة أحيانا. وعبرها، يمكن الخروج من “المسلمات الثقافية” وتحقيق الانتماء الكوكبي الذي يرتفع عن “فخ القبيلة”، وعن ما تمليه عليك إرغامات الولادة أو “مثالبها” بتعبير إميل سيوران.
والسفر في الكتابة لا يعني الاستغراق في أعماق سيبيريا ومستنقعاتها الموحولة.. بل يعني أساسا النفخ في الصور غير المرئية، لمنحها روحا أخرى تجعل الأفق يكبر والنظرة تتسع بتطلع غير شحيح إلى الارتقاء.. وإلى اصطياد كل الأفكار التي تولد في الأبد.
إن هذا الفهم العميق للسفر هو الذي قاد آرثر رامبو إلى اعتقال الرحلة الطويلة التي انكسرت على ظهره في “فصل في الجحيم”، وهو الذي أرشد مارسيل بروست إلى “البحث عن الزمن المفقود”.. أليس هو القائل: “علي الكتابة أن تكون مفتوحة على كل الجهات، أن تكون سفرا من دون بداية ونهاية، وعلى الكاتب أن يحلم بمثل هذا السفر دائما”.. وهو الذي سهل مأمورية مايكوفسكي إلى تجميع مصائر بينها خطوط كثيرة وتفريقها بشاعرية مدهشة على خط الموت.. وهو الذي جعل كاتبا مثل غارسيا ماركيز يستنتج أن الكتابة هي العيش في غرفة واحدة مع العديد من الأمكنة، أو مع ما نتذكره منها.. إلخ.
إن الكتابة تضعنا على خط التماس مع أمكنة أخرى، مع “الهناك”، مع “الحياة في مكان آخر”. إنها “شهوة الأقاصي” التي تفرض القسوة على الذي يطرق أبوابها دون أي إحساس بالرحمة أو الوهن. الكاتب هو الذي لا يعرف التعب على الإطلاق، إذ كلما انتهت رحلته المرعبة في أقاصي الذات ومهاويها، كلما تعامل معها بنوع من الحنين الذي يستدعي الوعورة ويقيم فيها بافتتان. إنها إذا شئنا الدقة هي ذلك السعي القديم للإمساك بالإلهي وترويض الظلمات والقبض على النور الذي يحجب غيابه كل شيء.
إن السفر في الكتابة مغمور بما يغلي في الذات من قسوة وسوء فهم ولايقين. هو ثمرة صعبة المنال ولذيذة بشكل خرافي ولها أثر الملح على الظمآن. وتتضاعف قسوة السفر حين يتحول الداخل إلى حياة تغلي، والخارج إلى صحراء من ثلج لا ينقطع، وإلى صمت ممتد وعلى أطرافه تتناسل المهاوي والأخاديد.
إن السفر في الكتابة، في العمق، ليس ثرثرة حول المكان أو حديثا أدبيا عن الأثاث الأرضي، بل هو تجربة حدودية مع الخطر تحديدا، أي مع ما يهدد الذات، وهو نزول عازف القيثارة إلى الجحيم لاستعادة يوريديس. إنه سفر في الخيبة.. الخيبة التي يمنحها الصعب والعسير وجودا متجددا. هو لقاء الأعماق الذي يهزها كل ما هو صارخ ومنفلت وغير اعتيادي. هو الضوء الذي يتسلق الهاوية ليكون.
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

