تكشف الأحداث الأخيرة في سبتة عن تحول ملحوظ في النقاش العام، حيث تركزت المناقشات حول مختلف الأبعاد الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ولكن هناك بُعد آخر لا يقل أهمية، وهو الدور المتزايد الذي يلعبه الفضاء الرقمي في تشكيل الوعي الجمعي وتوجيه النقاشات العامة، بالإضافة إلى تأثيره على سلوك الأفراد والمجتمعات. وقد أظهرت الدراسات في مجال علم الاجتماع الرقمي ودراسات الاتصال وعلم النفس المعرفي أن المنصات الرقمية لم تعد مجرد وسيط لنقل المعلومات، بل أصبحت طرفاً فاعلاً في تشكيل الرأي العام وأنماط السلوك الجماعي.
يعتمد جزء كبير من هذه الدينامية على ما يعرف باقتصاد الانتباه، حيث تُعطى الأفضلية للمحتوى القادر على إثارة الانفعالات، مما يؤدي إلى تحقيق انتشار وتفاعل أكبر. ومن ثم، يكتسب المحتوى المثير وجوداً أكثر وضوحاً، سواء كان صحيحاً، ناقصاً، أو حتى مضللاً.
في دراسة نشرت في مجلة “ساينس” عام 2018 تحت عنوان “انتشار الأخبار الصحيحة والخاطئة على الإنترنت”، تم تحليل أكثر من 126 ألف قصة تم تداولها من قبل حوالي ثلاثة ملايين مستخدم على منصة “إكس” (المعروفة سابقاً بتويتر). وأظهرت النتائج أن الأخبار الزائفة تنتشر بشكل أسرع وتصل إلى عدد أكبر من المستخدمين مقارنة بالأخبار الصحيحة، خاصة عندما ترتبط بمسائل سياسية واجتماعية أو تثير استجابة عاطفية قوية.
يتعزز هذا التأثير أيضاً بظاهرة غرف الصدى وفقاعات المعلومات، حيث تقود أنماط التفاعل المماثلة إلى تضييق ما يتعرض له المستخدم تدريجياً. فيغلب عليهم الاعتقاد أن ما يرونه يعكس واقعاً كاملاً، بينما في الحقيقة هم لا يرون سوى جزء مختار من المعلومات تتناسب مع تفاعلاتهم السابقة وفقاً للخوارزميات.
تشير الأبحاث في علم النفس المعرفي إلى وجود آلية تعرف بأثر الحقيقة الوهمية، حيث تزداد مصداقية المعلومة مع تكرار التعرض لها، حتى وإن كانت تفتقر إلى أدلة كافية. ومع كثرة تداول المعلومات، قد يصبح التفسير بمثابة حقيقة ثابتة في الوعي الجمعي.
في هذا السياق، تحمل أحداث سبتة دلالات تتجاوز الجانب الحدودي. فقد سبقت موجة العبور نشطة رقمية مكثفة بدأت منذ منتصف يونيو، وتسارعت بعد انتشار تأويلات مضللة لحكم المحكمة العليا الإسبانية عن بعض حالات الوصول بحراً. وفي أيام قليلة، تم اختزال نقاش قانوني معقد في عبارة قصيرة سهلة التداول تفيد بأن الوصول بحراً إلى سبتة يضمن عدم العودة الفورية.
أكد هذا البعد تقرير أعده الخبير الإسباني خوسيه ماريا خيل غاري، الذي اعتمد على تحليل المصادر المفتوحة للبيئة الرقمية التي سبقت أحداث 30 و31 يوليو. وقد تتبع التقرير، الذي امتد على حوالي سبعين صفحة، النشاط على المنصات الرقمية الكبرى، ورصد ملايين الانطباعات الرقمية، بالإضافة إلى مجموعات تضم مئات الآلاف من الأعضاء. واستطاع توثيق شبكات تواصل عابرة للحدود، لكن لم تسمح المعطيات المتاحة بإسناد القيادة المركزية لحملة معينة.
لا يقتصر تأثير الفضاء الرقمي على التحشيد قبل الحدث، بل يمتد إلى الطريقة التي يُعاد بها تشكيل الحدث نفسه. ففي كل أزمة، تبدأ موجة موازية من الأخبار، والتأويلات، والشائعات، والمقاطع المجتزأة، مما يجعل المنافسة تتركز على تفسير الوقائع بمقدار تركيزها على الوقائع ذاتها.
في مثل هذه الأوقات، تجد الجهات المعادية، والذباب الإلكتروني، وشبكات التضليل فرصة لتضخيم بعض الجوانب. واعتماداً على هذه الحملات، يتم إعادة تدوير الأخبار المضللة، وبث الإحباط، وتأجيج الاستقطاب، والنفاذ بالحدث إلى معارك إعلامية وسياسية تتجاوز الحدث نفسه. وتأثير هذه الحملات لا يقتصر فقط على تشويه الوقائع وإنما يمتد إلى إعادة تشكيل إدراك الرأي العام، وتوجيه النقاش نحو تفسيرات أحادية، أو نظريات مؤامرة، أو قراءات انفعالية تختصر الظواهر المعقدة في سبب أو فاعل واحد.
لقد أعادت هذه التحولات رسم خريطة وعي المجتمع، حيث أصبحت المنصات الرقمية تنافس الأسرة، والمدرسة، ووسائل الإعلام في تشكل وعي الأجيال الجديدة. أصبح التحدي اليوم هو تطوير قدرة نقدية لدى الأفراد لقراءة المعلومات، وفهم سياقاتها، والتمييز بين الخبر والتأويل، وبين الوقائع والمحتوى المصمم لاستثارة الانفعال أو توجيه الإدراك.
من هذا المنطلق، فإن أحداث سبتة تحمل دلالات تعكس علاقة المجتمع بالفضاء العام الرقمي، الذي أصبح واحداً من أهم البيئات التي تتشكل داخلها التصورات الجماعية. لذلك فإن تعزيز المناعة الرقمية يعد جزءاً أساسياً من متطلبات التماسك المجتمعي، مما يتطلب مجهوداً مشتركاً في مجالات التربية، والإعلام، والتواصل العمومي لبناء هذه القدرة النقدية وتعزيزها. فكلما زادت هذه القدرة، ازدادت مناعة المجتمع في مواجهة التضليل، وتراجعت قابلية الأفراد للانسياق وراء التأويلات المضللة، مما يجعل النقاش العام أكثر وعياً واتزانا.

