يشكل الجبل المغربي أحد أهم الحواضن التاريخية والثقافية في بلادنا، حيث اختزن عبر القرون أشكالًا معمارية فريدة تعكس تفاعلًا عميقًا بين الإنسان والبيئة الطبيعية. هذا التفاعل يظهر من خلال المعارف التقنية والتنظيم الاجتماعي، مما أدى إلى نشوء أنماط معمارية متميزة، تتلائم مع الخصوصيات المناخية والطوبوغرافية والاقتصادية للمناطق الجبلية. وتميزت هذه المعمارية بالقدرة على التكيف مع البيئة، والاقتصاد في الموارد، والاعتماد على المواد المحلية، مما جعلها تمثل تراثًا غنيًا ومختبرًا حيًا للمعارف التقليدية.
لكن هذا التراث المعماري يواجه، خلال السنوات الأخيرة، تحديات متزايدة. تتجلى هذه التحديات في التحولات الاقتصادية والاجتماعية والهجرة القروية، بالإضافة إلى تراجع الحرف التقليدية وتغير أنماط البناء. كما أن آثار التغيرات المناخية والكوارث الطبيعية تساهم في تفاقم هذه الأوضاع، إلى جانب ضعف إدماج الخصوصيات المجالية والثقافية في السياسات العمومية. من المؤسف أن العديد من التدخلات العمرانية والخطط الحديثة غالبًا ما تتم بمعزل عن المرجعيات التاريخية والتراثية والإثنولوجية التي تشكل هوية المناطق الجبلية.

