تمارس الجزائر، منذ عقود، نفوذاً غير معلن في مالي عبر دعمها لحركات التمرد في الشمال، بهدف الحفاظ على مصالحها من جهة، ومنع أي مطالب بالتحرر لدى الطوارق في الداخل من جهة أخرى. وقد دخلت هذه السياسة، في السنوات الأخيرة، في تناقض واضح مع التوجهات الروسية، حليفتها التاريخية.
تخوض روسيا، بخلاف السياق الجزائري، حرباً ضد التمرد في الشمال وتدعم حكومة باماكو بشكل كامل. وقد انقضى الغموض بشكل رسمي في 10 يوليوز 2026، بعد الانتصار المشترك بين روسيا ومالي في منطقة «أنيفيس»، حيث تم الإعلان عن عودة السفراء وفتح الأجواء أمام الرحلات المدنية والعسكرية.
وجدت الجزائر نفسها، بعد تعرضها لعملية «ليّ ذراع» دبلوماسية من روسيا، في موقف حرج للغاية. تمكنت موسكو بذكاء وبأقل التكاليف من تحويل انتصار تكتيكي إلى إنجاز سياسي، مما فرض على الجزائر، التي فقدت استقلاليتها في القرار، العودة إلى طاولة المفاوضات والانصياع لشروطها.
باتت السلطات الجزائرية، التي كانت تدعم الطوارق، مضطرة للتفاوض مع الحكومة المالية التي تلاحقهم. تضع هذه التطورات الجزائر أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاستمرار في دعم مقاتلي الطوارق مما سيعمق الشرخ مع روسيا ويزيد من عزلتها، أو التكيف مع الواقع الجديد والانضمام للاستراتيجية الروسية في توحيد الأراضي المالية.
«أضحى جلياً أن هذا التنظيم الذي كان يستفيد من الدعم الجزائري المطلق لسنوات طويلة، بات يشكل عبئاً ثقيلاً على الاستراتيجيات الجزائرية»
— برنارد لوغان
قد تحاول الجزائر تبرير هذا الانسحاب بالقول إن هدفها لم يكن يوماً تقسيم مالي، وهو ما يتماشى مع الواقع فعلاً، ولكن ذلك يكشف التناقضات الواضحة في السياسة الخارجية الجزائرية.
من جهة أخرى، تجد الجزائر نفسها كذلك أمام خيار صعب في مخيمات تندوف بخصوص دعمها لتنظيم «البوليساريو». إن هذا التنظيم الذي حظي بالدعم الجزائري على مدى سنوات، بات يشكل عائقاً أمام المصالح الاستراتيجية للجزائر.
لقد انكشف زيف النزاع حول الصحراء أمام المجتمع الدولي باعتباره مشروعاً جزائرياً بالكامل. وبات واضحاً للجميع، حتى للأطراف التي كانت تغمض أعينها، أن النزاع يشكل قضية حيوية بالنسبة للجزائر، التي سعت عبرها لكسر عزلتها القارية وفتح منفذ على المحيط الأطلسي من خلال فكرة كيان وهمي. وقد جئ الاعتراف الدولي بمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية ليدحض تلك الأوهام الانفصالية.
رغم استثمار الجزائر الكبير في هذه القضية السياسية والعسكرية والاقتصادية، لم تستطع التقاط الفرص المناسبة للخروج من مأزقها.
ولا يزال النظام الجزائري، بدافع الإصرار أو الاندراغ التام، متمسكاً بموقفه الجامد ودعمه لتنظيم «البوليساريو»، مما أدى إلى تقويض علاقاته مع شركائه الأوروبيين وزيادة عزلته على الساحة الدولية.
والآن، تحت وطأة الأحداث المتسارعة، تجد الجزائر نفسها مجبرة على التخلي عن وكيلها المسلح في المنطقة. سيؤدي هذا إلى موجة غضب من تلك الجماعات المسلحة التي تلقت الدعم من الجزائر، مما يهدد استقرار المناطق الساحلية والصحراوية برمتها.
إن وقف دعم الجزائر للطارق و«البوليساريو» سيحرمهما من القواعد العسكرية، مما سيمحو حصيلة نصف قرن من المواجهات بلا جدوى. وقد يدفع ذلك تلك العناصر إلى العودة إلى الإرهاب الإقليمي والتوجه بأسلحتها نحو الجزائر العاصمة بدعوى الخيانة والاستغلال السياسي.

