أوضح عبدو السمار عبر قناته في «يوتيوب» أن ما وصفه بـ«المجزرة التنظيمية»، التي تُعتبر الأكبر في تاريخ جهاز الدرك، شمل قيادات بارزة من الصف الأول، على رأسهم القائد الجهوي للدرك الوطني بمدينة ورقلة، الجنرال محجوب عرابي، الذي عُزل من منصبه بعد عام واحد فقط من ترقيته. كما تم إقالة قائد المجموعة الإقليمية للدرك بتيارت، العقيد وحيد، وقادة المجموعات الإقليمية في الشلف، وتيبازة، وأفلو.
وأشار السمار من مقر إقامته في فرنسا إلى أن المديرية المركزية لأمن الجيش لعبت دورًا محوريًا من خلال مصلحة «المخابرات العسكرية» ببن عكنون، حيث أعدت تقارير وملفات مفبركة ضد هؤلاء الضباط لتبرير إزاحتهم، مُقنعة أركان الجيش بوجود اختلالات انضباطية. ويُتوقع إحالة كثير منهم إلى المحكمة العسكرية بالبليدة، على غرار مئات الضباط الذين تم اعتقالهم منذ أزمة 2019.
صراع نفوذ وشلل في جهاز الدرك
يعيش جهاز الدرك الوطني حالة من عدم الاستقرار الهيكلي منذ عام 2018، حيث شهد تعاقبًا سريعًا لقادته. بدأ الأمر مع الفارين والملاحقين بتهم الفساد والخيانة العظمى، مثل غالي بلقصير، ووصل إلى القابعين في السجن، مثل عبد الرحمن عرار. في الوقت نفسه، تواجه القيادة الحالية، سيد أحمد بورمانة، ضغوطًا شديدة ومحاولات مستمرة لإزاحته لصالح رئيس أركان الجهاز، اللواء لعفير بوعيش، وفق المعطيات التي نشرها السمار.
أسفرت هذه التغيرات القيادية والتخبطات المتكررة عن شلل تنفيذي، حيث اكتفى المجال بالترقب، مما أثر سلبًا على أداء الجهاز في مواجهة شبكات «الحرقة» والهجرة غير النظامية على الشواطئ، بالإضافة إلى تصاعد الجريمة المنظمة وتهريب المخدرات. هناك مطالب متزايدة لإنهاء حالة التكتم وإعادة النظر في إدارة هذا المرفق الأمني الحساس.
أزمة عميقة داخل المؤسسة العسكرية
تظهر الأرقام الواردة من المؤسسة العسكرية مدى عمق الأزمة التي تعيشها منذ وصول الرئيس عبد المجيد تبون إلى الحكم في أواخر 2019. شهدت البلاد تصاعدًا غير مسبوق في الاعتقالات والمحاكمات التي استهدفت تفكيك شبكات القوة السابقة وإعادة تشكيل خريطة النفوذ.
تشير المعلومات المتاحة إلى وجود حوالي 155 ضابطًا ساميًا رهن الاعتقال أو التتبع القضائي منذ عام 2019، بما في ذلك ما بين 60 و78 جنرالا برتب مختلفة يقبعون في سجن البليدة العسكري.
المشهد لا يقتصر على تغييرات إجرائية فحسب، بل يعكس تناقضًا وجوديًا ينهش جسد المؤسسة العسكرية الجزائرية. فبينما يُرغم الجهاز الكفاءات الشابة على التقاعد قبل بلوغ الخمسين، يتمسك قيادات عتيقة تجاوزت الثمانين بالتواجد في السلطات، رافضين التخلي عن مواقعهم.
هذه الدوامة من التخبط والانقسام لا تؤثر فقط على استقرار المؤسسة الأمنية، بل تدفع البلاد نحو حافة الهاوية، حيث يغيب أفق التجديد، ويحل محله صراع للبقاء، مما يهدد مستقبل البلاد برمته في غياهب المجهول.

