التقرير الذي أعدته المهمة البرلمانية الاستطلاعية حول وضعية الطب الشرعي، وعُرض أمام لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب، دق ناقوس الخطر بشأن هذا التخصص العلمي الحيوي الذي يمثل دعامة أساسية لإظهار الحقيقة وحماية الحقوق، لكنه يعاني من تهميش طويل الأمد يحوله إلى مجال منسي.
نقص حاد في الأطباء: 10 مدن بلا مختصين
الصدمة الكبرى في هذا التقرير تكمن في النقص الحاد في عدد الأطباء المتخصصين في الطب الشرعي، حيث لا يتواجد في المغرب، حتى نهاية سنة 2024، سوى 28 طبيبًا موزعين عبر البلاد، بما في ذلك أساتذة في كليات الطب وأطباء في المستشفيات الجهوية. وأكثر من ذلك، نجد أن 10 دوائر قضائية، تشمل مدنًا مثل تارودانت وسيدي قاسم، تفتقر تمامًا إلى أي طبيب متخصص، مما يضطر السلطات إلى البحث عن حلول مؤقتة في قضايا بالغة التعقيد.
هذا العجز الكبير يلقي بعبء ثقيل على الأطباء غير المتخصصين، حيث يعمل 147 طبيبًا في مكاتب حفظ الصحة، مما يجعل المعدل الوطني 4.7 أطباء لكل مليون نسمة، وهو رقم غير كافٍ لمواجهة تزايد الطلب القضائي، خاصة مع تسجيل أكثر من 24 ألف تقرير وفاة في عام واحد.
خطر زعزعة العدالة
في تحليله لهذه الأزمة، يؤكد البروفسور هشام بنيعيش، رئيس مصلحة الطب الشرعي بالمستشفى الجامعي ابن رشد بالدار البيضاء، أن “عمل الطبيب الشرعي لا ينحصر فقط في تشريح الجثث، بل إن المهام المرتبطة بالأحياء تمثل 80% من العمل اليومي للطبيب الشرعي”.
وتتوزع هذه المهام على أكثر من عشر مسؤوليات حيوية، تبدأ بالفحص السريري للضحايا لتحديد وصف الإصابات وطبيعتها وأسبابها، وصولاً إلى أخذ الإذن بنقل الجثث وتحضير تقارير مفصلة.
ومع ذلك، فإن غياب التخصص يفتح الباب أمام ممارسات مقلقة. يعد البروفسور بنيعيش أنه قد يحدث أخطاء جسيمة في الاستنتاجات والمعاينات، مما قد يؤدي إلى تضليل العدالة.
مستودعات الأموات في حالة غير مقبولة
الأمر لا يقتصر على نقص الأطباء، بل يمتد إلى البنية التحتية التي باتت تعاني من نقص حاد. حيث تم الكشف عن ضعف التجهيزات وقدم أجهزة تبريد الجثث، بالإضافة إلى غياب المختبرات والمعدات العلمية اللازمة لكشف ملابسات الوفيات المشبوهة.
يُظهر التقرير تفاوتات شديدة في توزيع مستودعات الأموات الـ108 في المغرب، مما يزيد من الفجوات في الوصول إلى خدمات طبية شرعية تتناسب مع المعايير الدولية، ويجعل دقة الخبرة الطبية مرتبطة بإمكانيات كل إقليم.
تعويضات هزيلة تؤدي إلى عزوف الأطباء
تطرق التقرير إلى أسباب نفور الأطباء الداخليين من هذا التخصص، لافتًا إلى التعويضات المالية التي تُعتبر “مُهينة”، حيث لا تتجاوز 30 درهمًا للفحص السريري، وتتراوح بين 100 و150 درهمًا للتشريح الطبي.
ويشير البروفسور بنيعيش إلى أن وزن المسؤوليات الملقاة على عاتق الطبيب الشرعي لا يقابله أي تحفيز مادي، مما يؤدي إلى ضعف الإقبال على هذا التخصص وهجرة الأطباء إلى الخارج بحثًا عن فرص أفضل.
في ردها على هذا الوضع الصعب، أكدت وزارة العدل أنها تعمل على تطوير مشروع مدونة جديدة تنظم المصاريف القضائية من أجل تحسين الوضع المادي للممارسين.
في ظل هذه التحديات، شددت المهمة البرلمانية على ضرورة مراجعة القانون رقم 77.17 الذي ينظم ممارسة الطب الشرعي، مع توسيع مجالات التكوين وتجديد التجهيزات المخصصة للطب الشرعي لضمان استقلالية الأطباء وحفظ حقوق المتوفين.

