يُصنَّف علي فريد بلقاضي بأنَّه من مؤرخي المدرسة الرسمية الجزائرية، التي تعتمد في أطروحاتها على فكرة وجود دولة جزائرية سابقة للاستعمار الفرنسي. في الثالث من أبريل 2025، نشر مقالًا على موقع «كل شيء عن الجزائر» (TSA) تحت عنوان «ذاكرة مغدورة، وتراث مصادر: مصالحة متحيزة للجنة تحت تأثير سياسي»، حيث حاول الرد على من يدّعي أن الجزائر لم يكن لها وجود قبل الغزو الفرنسي.
رغم أنَّ تسلسل أفكاره قد يبدو متذبذبًا ومكررًا، إلا أن مقاله يتمحور حول ثلاث أفكار رئيسية تُختزل فيها العقدة الوجودية الجزائرية، وسنقوم بتفكيكها وفق ترتيبها الزمني.
1- يدّعي فريد بلقاضي أن الجزائر الحالية «مجال ترابي تاريخي، مأهول منذ آلاف السنين». هذا الأمر صحيح، إذ يمكن القول إنه مأهول منذ أزيد من مليون سنة، ومن طرف أجداد البربر. لكن هذا التواجد البشري لا يُؤسس بأي حال من الأحوال لوجود الجزائر الحالية.
في محاولته للإقناع، وقع بلقاضي في ما يُسمى في اللغة الإنجليزية بـ”المغالاة في توظيف فكرة صحيحة”، حيث استشهد بهيرودوت عند حديثه عن الليبيين، والجرامنت، والناسامون، وهم شعوب بربرية استوطنت ليبيا الحالية، ولا علاقة لهم بقبائل الماسيـل أو الماسيـسيل أو الغيتول، التي تمثل الأجداد الفعليين لبربر الجزائر. بل ذهب أبعد من ذلك عندما كتب أن «اللوحات المصرية تتحدث عن المشواش، والليبو، والتحنو»، مما يُعد خطأ تاريخيًا فادحًا، إلا إذا اعتبرنا كل البربر المستقرين غرب نهر النيل «جزائريين قدامى».
لم يتردد بلقاضي في الادعاء بأن «حظيرة الطاسيلي ناجر تضم آلاف النقوش الصخرية التي تُشهد على معتقدات وطقوس خاصة بشعوب الصحراء»، وهنا يطرح السؤال حول علاقة هذا المعطى بالجزائر، خاصة وأن هذه المنطقة لم تكن جزءًا من التراب الجزائري الرسمي إلا بعد عام 1962.
«من أجل الهروب من رؤية الحقيقة الساطعة المتمثلة في كون الجزائر صناعة استعمارية فرنسية خالصة، يفضل الكاتب الاستسلام لأوهام الخيال العلمي والتاريخي»
— برنارد لوغان
2- يرتكز العمود الثاني من أطروحة بلقاضي على مدينة تلمسان، حيث كتب مُصيبًا أن «الزيانيين في تلمسان هيكلوا دولة قوية ذات دبلوماسية معترف بها». هذا الأمر صحيح تاريخيًا، لكن إمارة تلمسان لم تمثّل يومًا النواة المؤسسة للجزائر، على عكس مدينتي فاس ومراكش اللتين أسستا إمبراطورية عريقة.
عاشت تلمسان فترات استقلال محدودة مقارنة بتبعيتها للمغرب؛ فمنذ عام 790، وهو بداية الفترة المغربية الأولى، إلى غاية 1554 تاريخ سيطرة الأتراك عليها، أي على مدى 764 عامًا، كانت تلمسان مغربية بشكل مباشر وفعلي لمدة 320 عامًا. خلال هذه الفترات، حققت المدينة ازدهارًا لافتًا، لكنها لم تتجاوز حدود الإمارة.
للتذكير، شهدت تلمسان أربع فترات مغربية: الفترة الإدريسية التي دامت 139 عامًا (790-931)، والفترة المرابطية (1078-1143) حيث تحوّلت تلمسان إلى العاصمة الثانية للإمبراطورية المغربية بعد مراكش.
بدأت الفترة المغربية الثالثة عام 1143، عندما دخل السلطان الموحدي عبد المؤمن بن علي المدينة، ليُسند الموحدون حكمها لاحقًا إلى ولاة من قبيلة بني عبد الواد (الزيانيين).
عام 1236، أعلن الوالي يغمراسن بن زيان استقلاله. أما الفترة المرينية في تلمسان، فامتدت من 1337 إلى 1358، وانتهت بوفاة السلطان المغربي أبو عنان فارس. تحت حكم أبو حمو موسى الثاني، شهدت المدينة رخاءً ثقافيًا ومعماريًا حولها إلى منارة للعلماء والفنانين، قبل أن تدخل مرحلة انحطاط طويلة.
عام 1517، استولى التركي عروج بربروس على المدينة، إلا أن الحاكم الإسباني لوهران، دييغو دي كوردوبا، قاد هجومًا مضادًا في 1518 أسفر عن مقتل عروج، وتبقى تلمسان في حالة ركود حتى بداية العهد العثماني عام 1553.
إقرأ أيضا :برنارد لوغان يكتب: الجزائر.. عندما تكون الحقيقة التاريخية قاسية
3- متواصلًا في تغاضيه عن الواقع نحو دهاليز الأطروحة «الوطنية» المفبركة، ينتقل فريد بلقاضي إلى النقطة الثالثة، المتعلقة بوجود مفترض لجزائر ما قبل الاستعمار تحت الحكم العثماني، مُعبرًا أن «الجزائر لم تكن فراغًا سياسيًا، بل كانت إيالة الجزائر المعترف بها دوليًا، والمستندة إلى إدارة، وبحرية، وميناء، ودَاي منتخب، وعلاقات دبلوماسية».
لكن، وكما أثبتتُ في مقالات سابقة، لم تكن إيالة الجزائر التركية كيانًا مستقلًّا، بل كانت جزءًا أساسيًا من المنظومة الإمبراطورية العثمانية.
على عكس إيالتي طرابلس وتونس، ظلت إيالة الجزائر مستعمرة تابعة مباشرة للباب العالي. وخلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، كان بايلك الجزائر نقطة تماس بين إمبراطورية هابسبورغ والدولة العثمانية، مجرد ثغر حدودي لا غير، ولم يُحدث أي قطيعة بين الجزائر ومركز الخلافة.
هذا الوضع يفسر غياب أي تطور نحو ملكية وطنية مستقلة، كما شهدته بعض المناطق الأخرى، والسبب بسيط: إذ كان تحقيق تحول كهذا يتطلب تجنيد جنود محليين وتأسيس سلالة حاكمة محلية، مما يُضعف العلاقات مع إسطنبول. لكن الإنكشارية استمروا في جلب مجنديهم من قلب الإمبراطورية، واضعين الولاء للسلطان فوق كل اعتبار، مع الاحتفاظ بهامش من الحكم الذاتي.
«التاريخ هو جحيم الجزائريين ونعيمهم»، تتجلى هذه المقولة في كتابات فريد بلقاضي؛ فمن أجل إنكار الحقيقة التاريخية التي تؤكد أن الجزائر هي صنيعة استعمارية فرنسية، يُفضل العيش وسط أوهام الذاكرة المفبركة.

