شهدت مجموعة من المناطق المغربية حرائق وصفت بـ«العنيفة»، حيث التهمت النيران مئات الهكتارات المزروعة بالحبوب، في مشاهد مؤلمة وثقتها فيديوهات وصور جرى تداولها على منصات التواصل الاجتماعي، حيث أظهرت ألسنة اللهب تلتهم سنابل القمح والشعير في وقت قياسي، وسط محاولات يائسة من الفلاحين وعناصر الوقاية المدنية لإخماد النيران ومنع امتدادها إلى حقول مجاورة.
ورغم أن بعض أسباب هذه الحرائق لا تزال مجهولة، إلا أن معلومات تداولها رواد التواصل الاجتماعي أكدت أن ماكينة حصاد في حالة ميكانيكية متدهورة كانت وراء اندلاع حريق ضواحي آسفي، بعدما تسببت شرارة من هذه الماكينة في إشعال مساحة شاسعة من الأراضي الزراعية. كما ساهمت درجات الحرارة المرتفعة والرياح القوية في تسريع انتشار النيران بشكل مقلق.
في منطقة الغرب، شهدت درجات الحرارة صعودًا إلى حوالي 44 درجة، مما أدى إلى اندلاع ثلاثة حرائق متفرقة في سيدي سليمان وسيدي قاسم، وهو ما زاد من قلق الفلاحين الذين يسعون لإنقاذ محاصيلهم قبل وصول موجات حر جديدة متوقعة خلال الأيام القادمة.
تأتي هذه المستجدات في إطار موسم فلاحي يعده المهنيون والمختصون بـ«الاستثنائي»، نظرًا لتحسن التساقطات المطرية منذ ديسمبر الماضي، وانتعاش الغطاء النباتي، وارتفاع نسبة ملء السدود، وهي عوامل أعادت الأمل للفلاحين بعد سنوات من الجفاف والندرة.
إلا أن هذا التفاؤل، كما يقول بعض الخبراء، يواجه تهديدات حقيقية من التغيرات المناخية الحادة التي تجعل الحقول الزراعية أكثر عرضة للاحتراق، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة واختلاف طبيعة الغطاء النباتي وسرعة الرياح.
وفي هذا الإطار، دعا كمال أبركاني، الخبير في الهندسة والعلوم الزراعية بكلية متعددة التخصصات بالناظور، التابعة لجامعة محمد الأول، إلى رفع مستوى اليقظة واتخاذ إجراءات استباقية لحماية الموسم الفلاحي الحالي من مخاطر الحرائق، مؤكدًا أن هذا الموسم يبشر بإنتاج جيد بفضل التساقطات المطرية التي شهدتها المملكة.
ويرى أبركاني أن هذه المؤشرات الإيجابية ترافقها تحديات حقيقية تتعلق بارتفاع درجات الحرارة وتغيير طبيعة الغطاء النباتي، وهي عوامل ترفع من احتمالات اندلاع الحرائق بسرعة داخل الحقول الزراعية. مشددًا على أن التربة التي تأثرت بالجفاف لسنوات صارت أكثر هشاشة أمام موجات الحر، مما يجعل بعض المناطق أكثر عرضة للاحتراق.
كما أكد أبركاني ضرورة اعتماد الرقمنة والتكنولوجيا الحديثة كوسائل أساسية للوقاية من الحرائق، من خلال استخدام المجسات الذكية والطائرات المسيرة والأقمار الصناعية لرصد أي بؤر محتملة للنيران في بدايتها قبل أن تتحول إلى كوارث واسعة النطاق، مشيرًا إلى أن المغرب حقق تقدمًا مهمًا في مكافحة حرائق الغابات يمكن الاستفادة منه لحماية المحاصيل الزراعية في موسم الحصاد.
ودعا الخبير الفلاحي إلى تفعيل لجان اليقظة على المستوى المحلي والجهوي، والتدخل بشكل استباقي لتحديد المناطق الأكثر عرضة للمخاطر مستندين في ذلك على النماذج العلمية ومعطيات الطقس التي تقدمها المديرية العامة للأرصاد الجوية، خاصة المتعلقة بدرجات الحرارة ودينامية الرياح.
كما أبرز ضرورة وضع تخطيط فلاحي يراعي شروط السلامة والوقاية، وتعزيز التنسيق بين وزارة الفلاحة ووزارة التجهيز والسلطات المحلية وقطاع المياه والغابات لضمان التدخل السريع والفعّال في حالة وقوع أي حريق.
ولم يغفل أبركاني التأكيد على أهمية التحسيس والتوعية بين الفلاحين، خاصة الصغار منهم الذين قد لا يراعيون علامات الخطر المتعلقة بالتقلبات المناخية. داعيًا الجمعيات المهنية والغرف الفلاحية إلى الانخراط في حملات توعوية حول طرق الوقاية والتعامل السريع مع الحرائق، مشددًا على أن سرعة التدخل وتحديد نطاق الحريق في بدايته يسهمان بشكل كبير في الحد من انتشاره وتقليص خسائره.
ويرى المتحدث أن الاعتماد على الإنتاج المحلي للحبوب هذا العام، خاصة بعد وقف استيرادها، يعطي لهذا الموسم بُعدًا استراتيجيًا يرتبط مباشرة بالأمن الغذائي الوطني، مما يفرض حماية المحاصيل الزراعية من مختلف المخاطر الطبيعية. مشددًا على أن الفلاح المغربي، الذي تحمل تبعات الجفاف والتقلبات المناخية والفيضانات، يحتاج اليوم إلى مزيد من الدعم والمواكبة.
وختم أبركاني حديثه بالتأكيد على أن المغرب لديه من المؤسسات والخبرات والإمكانات ما يؤهله لتفادي خسائر كبيرة، معتبراً أن نجاح ذلك يعتمد على تعزيز ثقافة الوقاية وروح المواطنة، عبر تجنب مسببات اندلاع الحرائق، ورفع مستوى اليقظة، وتكثيف التنسيق بين كافة المتدخلين، حتى لا تتحول موجات الحر المتوقعة إلى تهديد مباشر لموسم فلاحي ينتظر منه تعزيز الاقتصاد الوطني والأمن الغذائي للمملكة.

