تتطلب إنشاء منصة “طفلي مختفى” رؤية متعمقة وتعاوناً دولياً وهندسة إجرائية دقيقة. ومنذ إطلاق هذه المنصة، أصبح المغرب رائداً في المنطقة في مجال الاستفادة من تقنيات ميتا للبحث عن الأطفال المختفين.
ولا يخفى على العميد الإقليمي مصطفى حداوي، رئيس قسم الشرطة الحضرية بالمديرية العامة للأمن الوطني، فخره بهذا المشروع، حيث أشار إلى أنه “قفزة نوعية في المجال الأمني” تم الحصول عليها بفضل التعاون بين المديرية العامة للأمن الوطني وابتكارات ميتا.
المنصة: ولادة تحت عقيدة أمنية وقائية
لم تأتي المنصة من فراغ، بل تم تصميمها في إطار العقيدة الأمنية التي اعتمدتها المديرية العامة للأمن الوطني خلال السنوات الأخيرة، والتي انتقلت من رد الفعل بعد وقوع الأحداث إلى استراتيجية وقائية قائمة على تحليل المعطيات والتعاون مع المواطنين. حيث أكد المسؤول أن “لدينا مجموعة من البيانات التي نحللها باستخدام أدوات علمية”.
تتضمن هذه العملية استخدام الخوارزميات، ومعرفة كيفية عمل المنصات الرقمية، وأيضاً التحقيقات المتقاطعة بين الملفات المختلفة، مما يجعلها أدوات لا غنى عنها في العمل اليومي للأجهزة الأمنية.
في هذا السياق، وبتوجيهات ملكية واضحة للتحديث الأمني، دخل المدير العام للأمن الوطني، عبد اللطيف حموشي، في مفاوضات مع ميتا أسفرت عن توقيع اتفاق في 9 مارس 2023. وتبع ذلك تفعيل المنصة في اليوم التالي.
استندت الفرق المغربية إلى نموذج كندي معروف (نظام أمبر) ولكن مع مراعاة الخصوصيات المغربية. حيث أوضح مصطفى حداوي: “استلهمنا من التجربة الكندية، ولكن بشروط تتماشى مع المجتمع المغربي والتشريعات المحلية”.
التبليغ من حق الولي الشرعي فقط
تعتبر نقطة الأمان الأولى في هذه المنصة قصر الولوج إليها على الأب، الأم، أو الوصي الشرعي. فلا يمكن لأي شخص آخر القيام بالتبليغ عن الاختفاء.
أكد مصطفى حداوي: “وُضِعت ضمانات للتأكد من أن الشخص الذي يبلغ هو من يتحمل المسؤولية”.
يتوجب على الولي الذهاب إلى أقرب مركز شرطة لمكان اختفاء الطفل، وليس بالضرورة المكان الذي يعيش فيه. وتعد الدقة مهمة، حيث يمكن أن يحدث الاختفاء في أماكن مختلفة مثل إجازة أو مخيم. ومن الضروري كتابة محضر يتضمن صورة حديثة للطفل، ووصف دقيق لمظهره، وموقع وظروف اختفائه.
يجب أن يكون هناك تصريح كتابي من الولي يوافق على نشر الإعلان على وسائل التواصل الاجتماعي. وأشار حداوي: “بعض العائلات لا ترغب في نشر خبر الاختفاء، لذا يجب تسجيل هذه الموافقة كتابة.”
فور تلقي التبليغ، يقوم الضابط بإصدار تنبيه لجميع الدوريات، ويتم إخطار نقاط الولوج إلى المدينة. وتُركب حواجز للمراقبة، ويتم إبلاغ المؤسسات الصحية.
يتم أيضاً المحادثة مع كاميرات المراقبة القريبة لتحليل التسجيلات. منذ الساعات الأولى، تدخل الشرطة القضائية لمقارنة البيانات مع التحقيقات الأخرى. وقد لخصها حداوي بقوله: “مجموعة من الإجراءات تُنفذ مباشرة.”
وحدة مركزية للتأكد قبل النشر على ميتا
بين مركز الشرطة ووسائل الإعلام عبر ميتا، توجد وحدة مركزية تتولى معالجة الملفات. تقوم هذه الوحدة بالتحقق من صفة المبلغ والفحص الشامل للملف قبل أي نشر.
بمجرد المصادقة، يتم نشر إعلان الاختفاء على ميتا، مما يسمح بانتشاره وزيادة فرص العثور على الطفل.
من المهم أن نذكر أن هذا النشر الإلكتروني لا يستبدل طرق إعلان الاختفاء التقليدية المنتشرة في جميع أنحاء البلاد، بل تعمل الأنظمة بشكل متوازي.
بعد ثلاث سنوات من إطلاقها، تحقق المنصة نتائج هامة. ولكن حداوي أشار إلى نقطة جديدة؛ لأن الأولياء الشرعيين ليسوا ملزمين قانونياً بالإبلاغ عند العثور على الطفل.
لذا، بعض الحالات لا تسجل إلا بفضل المتابعة الاستباقية من الفرق الأمنية التي تتواصل مع العائلات.
غالبية الحالات تتعلق بقاصرين تائهين في الأماكن العامة، أو مراهقين هاربين بسبب ضغوط أسرية أو تعليمية. على سبيل المثال، حادثة فتاة مراهقة من تطوان التي أُبلغ عن فقدانها، ولكن القضية اتخذت مساراً مختلفاً بعد التحقيق.
الشائعات والأخبار الكاذبة: إجراءات قانونية مطبقة
تعمل المديرية العامة للأمن الوطني بجد لمحاربة المعلومات المضللة حول الأطفال المختفين. لاحظت الأجهزة الأمنية ارتفاعاً في نشاط الشائعات، خصوصاً خلال شهر رمضان وفترات الامتحانات.
تنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي أخبار مغلوطة عن اختفاء أطفال، مما يتسبب في قلق كبير للأسر ويعطل التحقيقات.
جاءت الشكاوى بالإفراط في نشر شائعات تهدف إلى إثارة الذعر، وأحياناً تكشف التحقيقات عن دوافع خفية وراء ذلك.
رداً على هذه الانتهاكات، لا تكتفي المديرية بالنفي، بل تتخذ إجراءات قانونية لحماية سمعتها وسمعة الأسر. واختتم حداوي بقوله: “تلتزم المديرية التزاماً تاماً بسرية التحقيقات وخصوصية العائلات.”

