تشير المعطيات الميدانية إلى أن أسعار لحم الغنم استقرت في مستويات تتراوح بين 120 و150 درهما للكيلوغرام، مع توقعات من بعض المهنيين بتجاوز هذا السقف بكثير بمناسبة عيد الأضحى.
أما لحم البقر، فتتراوح أسعاره حاليا بين 90 و120 درهما، بزيادة تصل إلى 10 دراهم في اللحم المستورد ومثلها في أسعار القطيع المحلي. فيما يباع اللحم المفروم المعروف بـ”الكفتة” بـ130 درهما، وتبدأ أسعار القطع المعدة للشي (مثل الكوطليت والقطبان) من 140 درهما للكيلوغرام.
وبخصوص سعر السقط مثل “الدوّارة” ولحم الرأس، فهي تختلف حسب الكمية والحجم، وتباع حاليا في مدن مثل الدار البيضاء بما بين 300 و500 درهم للوحدة، حسب حجم الأحشاء.
ويتوقع المهنيون، مع اقتراب عيد الأضحى، أن ترتفع أسعار “الدوّارة” بشكل أكبر، كما حدث العام الماضي، رغم الاستعدادات لإقامة شعيرة النحر هذا العام.
هذا التباين في الأثمنة لا يعود للجودة فحسب، بل يرتبط بمصدر اللحوم؛ إذ يجد المستهلك فارقا سعريا بين من يشترون المواشي مباشرة من الفلاحين ومن يقتنونها عبر المسالخ أو الوسطاء.
استنزاف بنيوي وفشل في الدعم
يعزو المهنيون هذا الوضع إلى استنزاف حاد للقطيع الوطني خلال السنوات الماضية. فقد تمت عمليات الذبح بشكل عشوائي دون تدخل حازم من السلطات، فضلا عن غياب الدعم الموجه للكساب الصغير.
ويشدد مهنيو القطاع على أن وفرة الكلأ عقب التساقطات الأخيرة ليست معيارا للانخفاض، لأن القطيع الحالي -حسبهم- غير معد للذبح الفوري، بل يحتاج وقتا للتعافي من تداعيات الجفاف.
من جهة أخرى، يبرز دور “الشناقة” كعامل رئيسي في تأجيج الأزمة؛ إذ تمر المواشي عبر حلقات متعددة ترفع السعر النهائي بنسب غير منطقية.
ورغم إقرار الحكومة لإعفاءات ضريبية وجمركية وتحديد سقف لاستيراد 300 ألف رأس من الأبقار حتى نهاية 2026، إلا أن هذه الخطوات لم تلمس جيوب المستهلكين، مما يطرح علامات استفهام كبرى حول مصير الدعم العمومي ومدى سيطرة “لوبيات” الاستيراد عليه.
لماذا فشلت إجراءات الحكومة في خفض الأسعار؟
يجمع عدد من مهنيي قطاع اللحوم الحمراء على أن فشل الإجراءات الحكومية يكمن في “حلقة مفقودة” تتعلق بطبيعة التدخل وآليات تطبيقه على أرض الواقع. فبينما أرجعت وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات هذه الوضعية إلى عوامل مركبة، منها تبعات سنوات الجفاف التي قلصت أعداد القطيع الوطني وارتفاع تكاليف الإنتاج، ظلت قنوات التوزيع عرضة لمضاربات لا تخضع لرقابة سعرية صارمة.
ورغم كشف الوزارة عن إجراءات استعجالية شملت تقديم دعم مباشر للكسابة لتخفيف عبء الأعلاف، إلا أن الاكتفاء بهذه الخطوات دون فرض “دفتر تحملات” يلزم المستوردين بأسعار بيع نهائية، جعل مفعول الدعم يتبخر قبل وصوله إلى قفة المواطن.
هذا التباين بين النوايا الرسمية والواقع الميداني دفع الوزارة إلى الإقرار بأن ثمار الإجراءات التي اتخذتها لم تؤت أكلها على مستوى الأسعار النهائية، مؤكدة استمرارها في مراقبة السوق لضمان توازن العرض والطلب.
غير أن معلقين يفسرون هذا التعثر بتوجيه جزء كبير من اللحوم المستوردة لتغطية احتياجات القطاع السياحي والمطاعم الكبرى، مما يترك الأسواق الشعبية تحت رحمة النقص البنيوي في القطيع المحلي.
ويبدو أن غياب الربط المباشر بين الدعم الممنوح وتحديد سقف للأسعار في محلات الجزارة هو ما جعل الإجراءات الحكومية تدور في حلقة مفرغة، عاجزة عن كبح جماح الغلاء الذي استنزف القدرة الشرائية للمستهلكين.
غليان برلماني وتحذيرات حقوقية
انتقل صدى هذه الأزمة إلى قبة البرلمان، حيث وجه الفريق الاشتراكي تساؤلات حارقة لوزير الفلاحة حول أسباب فشل الدعم العمومي في تحقيق استقرار الأسعار.
ونبه الفريق إلى أن هذا الغلاء يأتي في سياق اجتماعي دقيق يتسم بتراجع القدرة الشرائية، مما يستوجب الكشف عن آليات تتبع الدعم الممنوح للكسابة والمستوردين.
وفي السياق ذاته، عبر المرصد المغربي لحماية المستهلك عن قلقه من استمرار المنحى التصاعدي، مؤكدا أن المواطنين باتوا يكتفون بكميات محدودة أو يستغنون عن اللحوم نهائياً.
ودعا المرصد إلى ضرورة نشر لوائح أسعار مرجعية والتصدي الصارم للمضاربين والوسطاء غير القانونيين الذين يستغلون مواسم الحفلات والأعراس وعيد الأضحى لمضاعفة أرباحهم على حساب السلم الاجتماعي.
ومع استمرار هذا الوضع، يظل الرهان معلقا على قدرة الدولة على استعادة توازن القطيع الوطني وفرض رقابة ميدانية تقطع الطريق على الوسطاء وتضمن وصول اللحوم إلى المواطن بأسعار عادلة تتناسب مع واقع دخله اليومي.



