يشكل تاريخ الزوايا والطرق الصوفية بالمغرب خلال فترة الحماية (الفرنسية والإسبانية) واحدًا من أكثر الملفات التاريخية تعقيدًا. تتداخل فيه الأبعاد الروحية والاجتماعية مع الرهانات السياسية والعسكرية. لم تكن الزاوية مجرد فضاء للعبادة والعزلة، بل كانت مؤسسة مجتمعية مركزية لها امتدادات جغرافية واسعة ورأسمال رمزي حاسم، مما يجعلها قوة ضاغطة قادرة على التأطير والتعبئة والوساطة.
يهتم هذا الكتاب بمعالجة إشكالية مركزية تتعلق بتفكيك طبيعة العلاقة الثلاثية الأبعاد التي جمعت بين الزوايا والطرق الصوفية بصفتها بُنى تقليدية مهيمنة، والإدارة الاستعمارية بوصفها سلطة تسعى للهيمنة والضبط، والحركة الوطنية السلفية التي كانت تسعى أيضًا إلى احتكار الشرعية وتحديث المجتمع.
يتجاوز العمل المقاربات الاختزالية التي تحصر مواقف الطرقيين في ثنائية “الخيانة والوطنية” أو “المقاومة والمهادنة”، ليقدم قراءة تاريخية-تحليلية تزاوج بين تتبع الوقائع والسياقات وبين تفكيك البنى الدلالية والخطابية التي صاغت تمثل الزوايا ووظائفها. يحرص الكاتب على وضع الظاهرة في تعددها الاجتماعي والسياسي والرمزي، مستنطقًا الأرشيف الكولونيالي والصحافة الوطنية وتراث التراجم لفهم “البراغماتية السياسية” التي حكمت تصرفات الفاعلين الدينيين في ظل اختلال موازين القوى.
يهدف هذا العمل إلى “إعادة موضعة الزوايا والطرق الصوفية ضمن مسار التاريخ السياسي والفكري للمغرب، بعيدًا عن القراءات التبسيطية التي حصرتها في ثنائية الطاعة أو العصيان”. له طموح تجاوز التصنيفات الإيديولوجية نحو فهم الزوايا كفاعلة تاريخية متعددة الأوجه، حيث يتداخل الروحي بالسياسي، والمحلي بالكوني، والموروث بالاستعماري. وهكذا، يُقدم الكتاب كمساهمة معرفية في تجديد التفكير في علاقة الدين بالسلطة والمجتمع بالدولة.

