في شرق مدينة فاس، يواصل العشرات من الحرفيين ممارسة تقنيات أجدادهم خلف جبل زلاغ، بعيداً عن ضوضاء المدينة. أعمدة الدخان المتصاعدة توضح وجود مجمع الكعدة الصناعي بجوار مقلع الطين المختص في صناعة الزليج البلدي، رمز التراث المغربي الأصيل.
عبد اللطيف هيسوف، صانع تقليدي يمتلك خبرة تفوق الأربعين عاماً في عالم الزليج، يشاركنا تجربته الفريدة التي تعود إلى أيدي كبار الحرفيين في فاس، الذين تعلموا بدورهم من معلمين قدامى برعوا في هذه الصناعة منذ عام 1920. عبد اللطيف يعتبر اليوم أكبر مصدر للزليج الفاسي إلى الدول الأوروبية، وهو يفتخر بالحفاظ على هذا الموروث الثقافي.
تميز الزليج الفاسي
يؤكد عبد اللطيف أن سر جمال الزليج الفاسي يكمن في طينه الفريد، الذي لا يُوجد إلا في مدينة فاس، وتحديدًا في جبال بنجليق. هذا الطين الغني بحوالي خمسة وسبعين معدناً يعطي الزليج بريقه الخاص ويجعله ينبض بالحياة تحت أنامل الحرفي الماهر.
عملية صناعة الزليج
صناعة الزليج تمر بأكثر من 16 مرحلة، تبدأ باستخراج الطين الخام من المنجم، ثم يُنقل بحذر إلى الورشة حيث يُغلى في أحواض ماء لمدة 24 ساعة حتى يصبح بقوام يشبه الخميرة.
بعد الغليان، يُغلف الطين بالبلاستيك ويُترك طوال الليل، ثم يُوضع على طبقة من الرماد في قوالب مستطيلة طولها عشرة سنتيمترات ليأخذ شكله الأولي. عملية التجفيف تستغرق يوماً واحداً في الصيف وتصل إلى ثلاثة أيام في الشتاء.
بمجرد أن يجف الطين، يقوم الحرفي بجمع مربعاته بعناية لتفادي أي كسر. باستخدام أدوات دقيقة، يتم تشكيل القطع بدقة، بحيث يمكن للحرفي المتمرس قطع ما يصل إلى ألف قطعة في اليوم.
مرحلة التلوين والاتقان
بعد ذلك، يتولى “المعلم الشحان” مهمة وضع القطع في الفرن، حيث تستغرق عملية الطهي أكثر من ثلاث ساعات، حتى تكتسب الزليجات ألوانها النهائية. بفضل خلطات من الرمل والمكونات الطبيعية، يستطيع الحرفيون إعداد الألوان المطلوبة بإتقان.
تتحول القطع إلى “المزهري الحرش”، حيث يتم إعادة طلائها بالألوان المطلوبة، ثم تدخل مرة أخرى إلى الفرن لتكون جاهزة للإنتاج النهائي. هنا تتجلى خبرة المعلم ومهارته في الإبداع.
التفاصيل الدقيقة لكل لوحة
تمر القطع بين الحرفيين، بداية من المعلم النقاش، ثم المعلم الرشام، ثم المعلم الكسار، فالمعلم الخلاص، وآخرًا إلى المعلم الفراش الذي يرتب القطع بكل دقة حسب الشكل الهندسي المطلوب.
هناك المئات من الأشكال الهندسية، وكل معلم يعرفها بدقة، حيث تُركب القطع بشكل مقلوب، بحيث تكون واجهة “الزليج” للأسفل وظهرها للأعلى.
حب المهنة وتصدير التراث
يؤكد عبد اللطيف أنه مع حبه للمهنة منذ الصغر، استطاع أن يصدر زليجاته إلى مختلف أنحاء العالم، حيث تتصدر السوق الأمريكية اهتمامه، بنسبة تصل إلى 98%، وذلك بفضل تقديرهم للصناعة اليدوية والقيمة الثقافية للمنتج المغربي.
في ختام حديثه، يشدد على أن جودة الزليج الفاسي محصنة بشارة “صنع بالمغرب”، التي تحمي هذا الموروث من السرقة أو النسب إلى دول أخرى. يعتز بأن هذه الحرفة ستظل مغربية تنتقل عبر الأجيال وتتعلم يدويًا، مع الالتزام الدائم بالإبداع لإبراز مهارات الحرفيين المغاربة وتفرد الفسيفساء الفاسي على الصعيد العالمي.

