صباح هذا اليوم، بدت مدينة القصر الكبير وكأنها لوحة مغمورة تحت سطح المياه، حيث استسلمت الأزقة الجامدة لصعود المياه البطيء. وقد أضحت المدينة، بعد إخلاء سكانها الذين فروا بسرعة، كأنها في حالة من العزلة عن الزمن. بينما تواصل المياه زحفها، تغمر الأحياء الواحدة تلو الأخرى.
تسببت فيضانات وادي اللوكوس وهطول الأمطار الغزيرة خلال الأيام الماضية في وضع صعب للغاية بالقصر الكبير. تظهر الصور التي تم توثيقها في الأيام الأخيرة الشوارع المغلقة بفعل المياه، حيث لم تعد قادرة على استيعاب الحركة.
تعاني المدينة اليوم من ضغط المياه، إذ لا تزال المحاور الرئيسية والمناطق السكنية والفلاحية المحيطة بها تحت تأثير هذه الكارثة الطبيعية، ويظل حجم الأضرار وتطور الوضع غير مؤكد.
استباق الكارثة: عمليات إجلاء واسعة
اختارت السلطات بدء التدخل الفوري، متبعة منهجية وقائية، وهو قرار أثبت فعاليته.
حتى صباح الجمعة، تواصلت عمليات إجلاء سكان مجموعات ترابية مهددة بالفيضانات، مع الأخذ بعين الاعتبار درجات الخطورة والأضرار المحتملة، حيث تم تعبئة وسائل لوجستية لنقل المتضررين بأفضل الظروف. وتمكنت هذه العمليات من إجلاء 154.309 أشخاص عبر عدة أقاليم، حيث تم تسجيل 112.695 شخصا بإقليم العرائش، و23.174 شخصا بالقنيطرة، و14.079 شخصا بسيدي قاسم، و4.361 شخصا بسيدي سليمان.
تندرج هذه التدخلات ضمن استراتيجية شاملة تهدف إلى حماية الأرواح وضمان سلامة المواطنين، مما ساعد في تجنب سيناريو كارثي. وقد تكثفت عمليات الإجلاء منذ ظهور أولى علامات التهديد، خاصة بعد التحذيرات الجوية التي أكدت توقع هطول أمطار غزيرة ومخاطر فيضانات.
في القنيطرة وسيدي قاسم وسيدي سليمان، أدت الزيادة المفاجئة في مستوى المياه إلى تدخل فرق الإنقاذ لإجلاء عائلات محاصرة أو نقل المتضررين لمراكز الإيواء الطارئة، مما يسلط الضوء على خطورة الكارثة. ولا تزال عمليات الإغاثة جارية بلا انقطاع، مما يعكس خطورة الوضع الذي يتطلب تعبئة دائمة لكل الجهات المعنية.
غياب مؤشرات انحسار المياه
وفق البيانات الميدانية وتوقعات الرصد، لا تظهر الفيضانات أي علامات للتراجع. بل تشير الدلائل إلى احتمال تفاقم الوضع مع ارتفاع نسبة المخاطر الناتجة عن تشبع التربة وزيادة الضغط على سدود المناطق الجبلية.
في هذا السياق، تدعو السلطات المواطنين إلى الالتزام بأقصى درجات الحيطة والحذر، محذرة من العودة إلى المناطق المتضررة في الوقت الراهن حتى استقرار الوضع وإصدار تعليمات رسمية. يبقى الالتزام بهذه التعليمات أمرا ضروريا للحفاظ على الأرواح وضمان السلامة العامة.
يُظهر صمت الشوارع المغمورة في القصر الكبير اليوم أن المدينة، بفضل الاستباق والتعبئة الجماعية، نجت من أسوأ السيناريوهات. ومع ذلك، خلف مشهد المدينة شبه المهجورة، تظل حقيقة واضحة: اليقظة هي الخط الدفاعي الأبرز أمام قوى الطبيعة التي تذكرنا مجددا بقوتها المفاجئة.

