في الجزائر، شهدنا تراجعات خطيرة في الحريات، حيث باتت الأمور تتجه نحو القمع الممنهج للمخالفين، سواء كانوا سياسيين أو خبراء أو حتى صحفيين. قضية جلول سلامة تعكس هذه الظاهرة بشكل جلي. لا يكتفي النظام بقمع المعارضين، بل يتجه لمهاجمة الفكر العقلاني والخبراء، حتى لو كانوا مؤيدين، بمجرد أن يزعجوا الرواية الرسمية. الأحداث الأخيرة في الجزائر ليست مجرد انزلاق أمني، بل تكشف عن وضع متردٍ من الخوف والاستبداد يتبناه رئيس تجاوزت سلطته حدود المعقول.
جلول سلامة، مهندس وخبير في الاقتصاد والإدارة، اختفى منذ خمسة أيام. أسرته وأقرباؤه بذلوا جهدًا كبيرًا لمعرفة مصيره، ولكن دون جدوى. لا مذكرة توقيف أو أي إخطار رسمي، ليظل الرجل مختفيًا في وطن أصبح فيه التعسف نمطًا للحكم.
تشير الأنباء إلى أنه محتجز حاليًا في فرقة الأبحاث ببابل جديد، وهي وحدة تحقيق تابعة للدرك الوطني، بأمر مباشر من عبد المجيد تبون.
جلول سلامة ليس معارضًا سياسيًا أو ناشطًا أو صحفيًا يحمل موقفًا معارضًا. لم يكن له أي دعوة للاحتجاج، ولم ينتقد النظام أو يتحدث عن الحراك. تخصصه هو الاقتصاد، وقد كان له ظهورات متكررة على الشاشات الجزائرية دون تسييس مواقفه. وهذا ما يجعله شخصية محترمة ضمن النظام.
خطأه الوحيد، إن جاز تسميته كذلك، كان في تصريحه عبر قناة “الحياة” قبل حوالي عشرة أيام من اختفائه، حيث ناقش مشروع منجم الحديد غار جبيلات. رئيس الجمهورية جعل من هذا المشروع أحد أركان السيادة الاقتصادية، بينما يعرف الكثيرون أنه يمثل أكبر فضيحة اقتصادية في تاريخ الجزائر. ولم يهاجم سلامة النظام، بل قدم تحليلًا بحتًا يتعلق بالاقتصاد، مستعرضًا الصعوبات المتعلقة بالمشروع.
وجد سببه في عدم جدوى هذا المشروع على المدى القريب، حيث احتاج إلى استثمارات ضخمة قد تصل إلى 6 مليار دولار لبناء خط سكة حديد فقط، وهو ما يعكس حقيقة وجود اختلالات اقتصادية كبيرة.
رغم ذلك، فإن ما رآه كتحليل مبرر، تم اعتباره بالتالي تهديدًا سياسيًا. مشروع غار جبيلات ليس مجرد مشروع اقتصادي، بل أصبح رمزًا لعهد تبون وواجهة لإثبات قدرته على إنعاش الاقتصاد. وبالتالي، فإن أي تشكيك في جدوى هذا المشروع يعد بمثابة كسر للخط الرسمي.
الأرقام تتحرك بشكل مثير للقلق، فقد يتجاوز إجمالي تكاليف المشروع عشرات المليارات من الدولارات في حين أن العائدات المتوقعة لا تتجاوز 1.5 مليار دولار سنويًا. وهذا يعني أن المشروع قد يكون فاشلاً من البداية.
قضية جلول سلامة تُظهر بوضوح القمع الذي يستهدف حتى التحليلات الاقتصادية المعقولة. فهو لم يهاجم السلطة وأنذر بالتعبئة، بل أشار فقط إلى الثغرات الاقتصادية. ومع ذلك، كان ذلك كافيًا لإطلاق يد آلة القمع. رجل يُنظر إليه سابقًا على أنه خادم للنظام، يجد نفسه معدومًا في الظلام، مُعاملاً كالمجرم.
تقدم هذه القضية دليلاً إضافيًا على مدى انزلاق السلطة في الجزائر، حيث أصبح القمع يمتد ليشمل حتى الذكاء والمهنية، مما يؤكد أن النظام لا يتسامح مع أي موقف يخالف روايته الرسمية.
هذا النوع من الاختطاف لا يحدث بدون سبب واضح، بل هو جزء من تسلسل قمعي يعرّض أي صوت مخالف للخطر. من هنا، يتضح أن النظام الجزائري يوجه إنذارات للصحافة ويجرم أي محاولة لنقل الحقائق كما هي، مما يقيد حرية التعبير في بلاد تعاني من أزمات سياسية واقتصادية عميقة. قضية جلول سلامة ليست مجرد حادثة، بل هي علامة على البيئة التي تهدد حرية الخبراء والإعلام.

