منذ انتخابها كعضو غير دائم في مجلس الأمن، قامت الجزائر بتسويق خطاب يعكس رغبتها في “استعادة النفوذ الدبلوماسي” و”تعزيز الحضور الدولي”، مع تسليط الضوء على بعض القضايا الإقليمية، ومن أبرزها قضية فلسطين. إلا أنه وبالنظر إلى أداء الجزائر داخل المجلس، يتضح أن حضورها كان يقتصر على مجرد خطاب سياسي، دون أن يظهر ذلك في مبادرات فاعلة أو تحقيق نجاحات دبلوماسية ملموسة، سواء في الملفات المغاربية أو في الملف الفلسطيني، الذي شهد تغييرات واضحة في مواقف بعض الدول المؤثرة داخل المجلس.
فباستثناء التصريحات المتكررة، لم تُظهر الجزائر القدرة على فرض رؤاها أو التأثير على نتائج مجلس الأمن، كما لم تُسجل لها إنجازات بارزة في صياغة قرارات رئيسية، مما جعل حصيلتها موضع تساؤل حتى في الأوساط المهتمة بالشأن الدبلوماسي.
إنتاج “وهم” الإنجاز
أمام هذا الواقع، لجأت الآلة الإعلامية الجزائرية المُوالية للنظام إلى حملة تضليل واسعة من خلال تضخيم صورة السفير الجزائري لدى الأمم المتحدة، عمار بن جامع، وتقديمه وكأنه “رمز دبلوماسي عالمي”، في محاولة لتغطية ضعف الأداء العام للجزائر في المنظمة الدولية.
في صباح 30 ديسمبر، تصدرت عددا من المواقع الجزائرية عناوين مضللة تتعلق بخبر مُفرغ من محتواه الفعلي، حيث أُعلن أنه تم اختيار السفير عمار بن جامع “دبلوماسي العام 2025” من قبل مؤسسة إعلامية مستقلة، في سياق يبدو كمجهود تسويقي قصد تقوية الصورة الدبلوماسية للجزائر.
لكن التحليل الدقيق لمصدر الخبر يكشف زيف هذه الادعاءات؛ إذ يتعلق الأمر بإدراج اسم بن جامع ضمن قائمة الشخصيات البارزة لعام 2025 في موقع “PassBlue”، وهي منصة رقمية مستقلة تهتم بأخبار الأمم المتحدة، تعتمد غالبا على استطلاعات رأي القراء. وهذا لا علاقة له بأي جائزة رسمية من الأمم المتحدة أو مؤسساتها.
ويشجع هذا التضليل المتعمد على تجسيد الأمر وكأنه تصنيف رسمي صادر عن الأمم المتحدة، في حين أن الحقيقة تُظهر أنه اختيار إعلامي يعود بشكل أساسي إلى تقييمات تحررية أو تفاعل قراء في نهاية السنة، دون أي صفة رسمية.
خطاب تبريري ونظريات مؤامرة
بدلاً من التركيز على تقييم شامل وموضوعي للأداء الدبلوماسي، اختارت بعض الصحف الجزائرية نهج خطاب تبريري يستند إلى نظرية المؤامرة. فقد تناولت جريدة الشروق الجزائرية في مقالها انتقادات لأداء بن جامع، واعتبرت أن أي انتقاد موجه له هو هجوم يقوده “الصهاينة وذباب المخزن المغربي”، بهدف التشويش على “الرسالة الإنسانية” للسفير.
وادعت المقالات أن مواقف بن جامع في دعم غزة جلبت للجزائر “احترام المجتمع الدولي”، دون تقديم أي أمثلة أو مؤشرات ملموسة على هذا الاحترام المزعوم، مظهرةً في الوقت نفسه واقع التراجع الدبلوماسي الذي عمق من عزلة الجزائر وكشف تناقضها بين الشعارات والممارسات الفعلية.
خطاب الوداع واعتراف بالفشل
كما تعامل الإعلام الجزائري مع الكلمة الختامية لعمار بن جامع كما لو كانت “خطبة وداع” ملهمة، مليئة بالنداءات الإنسانية. لكن العبارة الشهيرة: “الجزائر ستغادر مجلس الأمن وهي تشعر بأنها أدت ما كان عليها” بدت وكأنها اعتراف ضمني بفقر الحصيلة، أكثر من كونها شهادة نجاح.
فإذا كانت الأعمال الجيدة تُقيم بنهاياتها، فإن نهاية عهد الجزائر في مجلس الأمن جاءت محملة بالجدل، خاصة عقب تصويتها لصالح القرار رقم 2803 الذي يسمح بإنشاء قوة دولية مؤقتة في غزة، مما أعاد طرح التساؤلات حول تناقض المواقف الرسمية للنظام مع الشعارات التي طالما رفعها حول “الثوابت” والالتزام بالقضية الفلسطينية.
حصيلة بين الخطاب والواقع
بين استعراض إعلامي متفائل وبين واقع دبلوماسي يُظهر محدودية التأثير وقلة النتائج، تخرج الجزائر من مجلس الأمن بحصيلة يصعب وصفها بالإنجاز. فالتضخيم الإعلامي واستدعاء شماعة “المؤامرات الخارجية” لا يمكن أن يخفي الحقيقة أن العهدة غير الدائمة لم تُحقق مكاسب تُذكر، بقدر ما عمقت من الفجوة بين الشعارات المرفوعة والممارسات الدبلوماسية الفعلية.

