غنى “لوناس” أمام جبال “أيت ييراتان” ليعبر عن الجرح القبايلي الذي يعاني منه منذ زمن طويل، وهو غناء مأساوي يحاكي معاناة شعبٍ مضطهد. يخرج صوته حزينا، لاهثا، مختنقا بالآهات، يرثي تاريخ أبطالٍ مغدورين، كاشفا عن معاناتهم حيث تم طمس هويتهم على يد من يطلق عليهم “أولاد بختة”.
لقد حاول هؤلاء طمس هوية شعب يرفض الانكسار، لكن أصواتا أخرى من عمق المعاناة بدأت تبرز بأغاني تمجد صوت المقهورين الحالمين بربيع أخضر، مثل “لوناس” و”إيدير”، و”سليمان عزام”، و”أيت منقلات”، و”فرحات مهني”. هذا الأخير وقف شجاعا للدفاع عن وجود الشعب القبايلي، مُحاولا منع كل من يهدف إلى إلغاء وجوده وهويته ولغته عبر القمع والتهميش. بدأت المطالب التحررية لشعب القبايل منذ عام 1947، مروراً بالربيع الأمازيغي في 1980، ثم أحداث 1995، وأحداث الربيع الأسود في 2001، والتي أسفرت عن سقوط 126 قتيلاً وأكثر من 5000 جريح و204 معاقين مدى الحياة.
لكن سياسات التخويف والترهيب لم تؤتِ ثمارها، بل زادت الشعب القبايلي إصراراً على المطالبة بحق تقرير المصير. تم الإعلان عن تشكيل حكومة في المنفى، حيث تم انتخاب “فرحات مهني” رئيسا للحكومة المؤقتة، معلنين أن هدفهم هو إنهاء الظلم والإقصاء ومواجهة كل من يحاول إنكار وجود الشعب القبايلي. شارعوا نحو إنهاء أطول احتلال في تاريخ إفريقيا، مطالبين بإدراج منطقة القبائل في اللجنة الأممية الرابعة لتصفية الاستعمار، وتسجيل الحكومة المؤقتة للقبايل ضمن قائمة الشعوب التي لا تتمتع بحق تقرير المصير، مُطالبين بحق أبناء القبايل الذين يعيشون في الشتات بالعودة إلى وطنهم، لإعادة بعث شمس الحرية.
رددوا مع فرقة “أمزيك” القبايلية في واحدة من أشهر أغانيها “أم المهاجر”: “يا أم المهاجر، كفكفي دمعك، فاليوم أو غدا سيعود لحضنك، رغم المحن التي يعيشها، لم تغادري يوما باله، آه كم يتمنى أن يكون في حضنك، ليرتاح من مرارة الحياة..”.

