لطالما شكل أبي السي عبد القادر بنويس مصدر فخر واعتزاز لي، بل وحافزا للنجاح والبذل والعطاء وقد يكون لصورته انعكاس مباشر في شخصيتي وفي نمط حياتي الراهن، «فنحن في النهاية لسنا سوى ما صنعه أباؤنا» عن قصد أو بغير قصد.
صورة أبي التي رسخت بالذاكرة ليست لذلك الرجل الذي أوهنه الزمن في نهاية المسار وأقعده الفراش عنوة، وأصبح بقوة الضعف والمرض أكثر قربا منا نحن البنات وأوضح في التعبير عن مشاعر الحب والفخر والاعتزاز . أبي الذي وسم صباي وحفر عميقا في الذاكرة والحاضر هو ذلك الرجل الوسيم الأنيق، ذو الشخصية القوية الذي كان يملأ حضوره البيت والجوار، عمله المتواضع كحلاق بالمدينة الجديدة لم يمنعه يوما من العناية بمظهره وهيأته: شعر مصفف وذقن حليق وزي رسمي متخفف من ربطة العنق، جريدة فرنسية ترافق قهوة الصباح وسيجارة بين الشفتين تميل عادة إلى اليسار.. مرافقة والدي إلى المقهى كانت مصدر سعادة لا توصف، أجلس مزهوة بنفسي في مقهى»ابا حمادو» المتواجد في الشارع الكبير كما لم تكن تفعل الفتيات في ذلك الزمن، واحتسي الحليب المنكه بمذاق الرمان .. تلك كانت لحظات انتشائي الأولى التي لم يصنعها سوى أبي وهو يقعدني على أعلى كرسي أمام الكونطوار .. لقد أقحمنى عالم الذكور في سن مبكر من حيث لا يدري وجعلني أخوض في تساؤلات سابقة لأوانها حول غياب المرأة عن هذا العالم الجميل الحلو مذاقه.. عالم الذكور الحر الفسيح. أبي الذي أشبهه كان فنانا بالحس ومثقفا بالفطرة، صحيح أنه لم يدرك من العلم درجات لكنه استطاع أن يكتسب معرفة وخبرة من خلال تجارب الحياة وظروفها القاسية التي اضطرته إلى الرحيل يتيما دون العشرين في اتجاه العاصمة بحثا في معاني الحياة، ثم بعدها نحو الشمال ليختبر ما تبقى من دروب قبل أن يلزمه الحب والزواج من البهية بديعة العودة لمدينته الأصل تازة . مع السي عبد القادر أحببت أفلام رعاة البقر الأمريكية وكل الأفلام التي كان يقدمها علي حسن في برنامج سينما الخميس، شاهدتها بضجر طفولي في البداية ثم بحب وعشق فيما بعد، ومعه أيضا تابعت ألعاب القوى ونجوم كرة المضرب باهتمام وأغرمت بالرياضة وفنون التعبير الجسدي كما في المنافسات العالمية للجمباز والتزحلق على الجليد التي كان يحرص على تتبع مجرياتها كل سنة وتمنيت دوما أن أحظى بفرصة للتألق والتتويج في رياضة ما أو في الحياة فقط لأمنحه لحظة فخر وسعادة كما كان يفخر لتتويج المغاربة في كل الملتقيات. لذلك فليس من الصدفة إن كنت قد أجدت فيما مضى بعض الرياضات وحصلت فيها على جوائز، كما أحببت الجمباز الإيقاعي وأبدعت فيه هواية رفقة الأصدقاء الأمر الذي لم يكن شائعا كثيرا في المدن الصغيرة، جربت المسرح وعشقت الفنون وكنت في تصالح تام مع نفسي ومع الجسد في كل محطات الحياة. أبي أيضا كان رجلا قاسيا أو هكذا توجب عليه أن يبدو في مدينة محافظة لا تقبل بالليونة في التعامل مع الإناث.. كان حادا ومحافظا يحب الالتزام والنظام في كل شيء. في حضرته لا مجال للتغيب عن البيت بدون مبرر والحرص كل الحرص أن يكون محاطا دوما بكل أفراد أسرته الصغيرة. في حضرته أيضا لا مجال للهو ولا المزاح، الكل يلزم حدود اللياقة والأدب ويحترم مواعيد الأكل والشرب وآدابهما بشكل صارم، وكل تجاوز للقواعد أو تغيب غير مبرر قد تكون عواقبه وخيمة إلى أبعد حد! وهذا هو الوجه السيئ الذي طالما أزعجني في شخصية والدي وأثار بيننا صراعات جمة في محطات المراهقة والشباب والتي لم ينفع معها سوى تنازله لصالح لغة الحوار. أذكر يوما أنه غضب مني بشدة وأعد لي العدة للعقاب، فقد انشغلت باللعب واللهو مع ابنة الجيران ولم أنتبه لموعد الغذاء الذي فاتني ولا للوعد الذي قطعته لأمي بأن أعود إلى البيت قبل رجوع أبي من العمل، لم أكن حينها أضبط عقارب الساعة بالحس كما أفعل الآن فعمري حينها لم يكن قد تجاوز السابعة، ولأن موعد الحصة المدرسية الزوالية قد شارف على الحلول اضطررت للعودة إلى البيت من أجل المحفظة المدرسية واستبدال النعل البلاستيكي الذي كنت ألبسه بحذاء مناسب. طرقت الباب كمن يهمس لذبابة فلا أحد يتصور ما كان ينتظرني يومها، أمي من رعبها كانت تنتظر في الخلف، فتحت بحذر شديد خوفا من إصدار أي صوت يشي بعودتي، نهرتني ورمت المحفظة في وجهي وأمرتني أن أسرع للمدرسة، رجوتها أن تعطيني الحذاء، لكنها أغلقت الباب كما فتحته واختفت. صادف يومها أنني تسلمت أول جائزة تفوق في مساري الدراسي، وكان ذلك في حفل بهي يحضره كل أساتذة مدرسة كانكودير وتلامذتها، كنت محط أنظار الجميع عندما نودي على اسمي، ليس لأنني كنت أنتعل نعلا بلاستيكيا يخنقني بحبال الخجل أمام لجميع وإنما لأنني حفزت شفقة الحاضرين بانحناءة جسدي الصغير التي بدت كإعاقة أو عاهة وأنا أحاول إخفاء ما لا يمكن إخفاؤه بثوب قصير، صفق الجميع تشجيعا لي.. أما أنا فلم أنتش التتويج حينها ولم أتذوق طعمه فكل ما كان يشغلني عقاب أبي عند عودته في المساء! اليوم، أشكر مجددا تلك الجائزة التي أفلتتني من قتلة محققة وجعلتني أحفظ لوالدي صور الفخر والاعتزاز التي لازالت تصنع قوتي وتعيد ولادتي في كل لحظة!
المصدر: الاتحاد الاشتراكي نشر في الاتحاد الاشتراكي

