{} تحاول هذه الدراسة رصد شروط المقايضة و حدودها و عوائقها في النظام السياسي المغربي بين الملكية و جزء من معارضة الإسلاميين المتمثل في جماعة العدل و الإحسان .
فهذه المقايضة من وجهة نظر الملكية و وفق خبراتها التاريخية تتضمن تخلي جماعة العدل و الإحسان عن أكثر مواقفها راديكالية و قبولها العمل بالقواعد السياسية الرسمية المعمول بها . في مقابل ذلك ، تعتبر جماعة العدل و الإحسان أن خضوعها لهذه المقايضة كما تطرحه الملكية سيجعلها لا محالة تفقد هويتها الإديلوجية و السياسية و يجعلها بدون خصائص متميزة . و هو أمر ليست مستعدة للتضحية به بدون ضمانات و اشتراطات قبلية تجعل أمر مشاركتها ذي مغزى . بقلم : الأستاذ عمر الشرقاوي * القاعدة الرابعة : الإقرار بفصل الديني عن السياسي في مجال سياسي يهيمن عليه الديني فالجمع بين الديني و السياسي يكون على مستوى هيكل واحد هو المؤسسة الملكية و هذه القاعدة التي تعتبر من متضمنات مقايضة المشاركة تتضمن من ضمن ما تتضمنه التخلي عن الشعارات الدينية لصالح شعارات سياسية قابلة للنقد و المراجعة ، فلا يمكن للملك الاعتراف بقنوات منافسة تدعي الدفاع عن الدين من جهة لأن شرعيته في الحكم تقوم أساسا عل أسانيد دينية شرعية و من جهة أخرى لأن وظيفة أمير المؤمنين تفرض عليه الوفاء بالالتزامات معينة. تدعو هذه القاعدة كشرط مقايضة المشاركة جماعة العدل و الاحسان الى فض الارتباط بما هو ديني وما هو سياسي في تكوينها و ممارستها ، و هي اذا ما تمكنت من ذلك فانها تصبح أقرب الى صورة الفاعل السياسي أو الدعوي المدني الذي يتبنى برنامجا سياسيا قابلا للتعديل و التقويم أو منهجا دعويا إصلاحيا أو أقرب الى الجمعيات الدعوية . لا تخفي جماعة العدل و الإحسان يقينها لعلاقة التداخل بين السياسي و الديني في بنائها الاديولوجي و التنظيمي فهي رفضت خيار العمل من خلال حزب سياسي قائم خاصة يشرط الالتحاق به كأفراد و ليس كتنظيم من شأنه أن يفرغ التنظيم الاسلامي من جوهره و يفقده بالتالي هويته ما دام أن العمل سيتم وفق ضوابط الجماعة. و رفضت خيار تأسيس حزب سياسي مستقل عن التنظيم الإسلامي ، لأن مثل هذا الخيار يسقط في نوع من العلمانية المرفوضة فتأسيس حزب يختص بالسياسة و جماعة تختص بالدين لا روابط تنظيمية بينهما هو في آخر المطاف إعادة إنتاج للتصورات العلمانية القاضية بفصل الدين عن السياسة. في الحقيقة إن رفض جماعة العدل و الإحسان من خطوة التحول الى حزب سياسي ام يكن بدافع تجنب بدافع تجنب النزوعات العلمانية بل مرده دوافع متعددة بعضها يتعلق بالواقع السياسي الذي تتواجد فيها أحزاب هامشية لا وجود لها في الشارع بفضل القيود الدستورية و السياسية التي تشتغل داخلها و بعضها يتعلق ربما بالخوف من صورة الحزب السياسي المختلفة تماما من حيث العضوية و أساليب التجنيد و شكل الخطاب السياسي و الدعائي عن تلك الجماعة الدعوية التضامنية التي تلزم أعضائها بشكل صارم بضرورة الالتزام بالعبادات و بالقيم و بالمبادئ الدينية و بالولاء التنظيمي الصارم و بعضها الاخر مرتبط بتحدي التجنيد و العضوية فهناك تحدي آخر يتعلق بالبناء الإديولوجي الذي تتبناه الجماعة فالجماعة لا زالت تستند على مفاهيم الإحسان الشورى التوبة العمرية القومة و البيعة الصوفية و التي قد يتم تلاشيها أثناء توسيع القاعدة الاجتماعية للحزب السياسي فإنه لن يحل محل الجماعة و التي سوف تستمر كجماعة إسلامية عامة و لكنه سيكون مجرد امتداد لها ، ان مساوئ الخيارين السابقين دفعت جماعة العدل و الاحسان جماعة دعوة كاملة للدين و السياسة حاولت أن تميز بينهما لاعتبارات وظيفية فهناك مجال الدين الذي تشرف عليه مجالس النصيحة و هناك مجال السياسة الذي تختص به الدائرة السياسية و المجالان معا ينضبطان بضوابط الجماعة ، إن اصرار جماعة العدل و الإحسان على الجمع بما هو ديني و سياسي داخل بنائها الإديولوجي و التنظيمي يجعل أمر مشاركتها ضمن الأطر الرسمية للنظام السياسي المغربي أمر مشكوك فيه . القاعدة الخامسة قبول المعارضة البرلمانية المعقلنة : اذا كانت المؤسسة الملكية تعترف بأن لا لديموقراطية بدون معارضة فإنها استمرت في استبعاد كل معارضة لشخص الملك و ان المعارضة يجب أن تكون البرلمانية و للحكومة فقط فالمجال يبقى المجال السجال و الصراع السياسين ومعترك المجادلات الحزبية بين الأغلبية و المعارضة فالملك في نظر أحد الباحثين يجعل نفسه فوق الجميع ليكون بذلك الفاعل الرئيسي فلا يمكن اللعب معه الا في ضوء التحديات التي يضعها بنفسه و لا يمكن اللعب لعبا آخر أو اللعب ضده ، الملك سيد الإطار و سيد اللعب ، فهو الذي يحدد قواعد اللعبة السياسية و يراقب مجال النقاش مع تركه لباقي اللآعبين مساحات يحددها بنفسه دون أن يكون ذلك بالوضوح اللازم. و عليه فاذا كانت جماعة العدل و الإحسان أو أي قوة سياسية تريد المشاركة من داخل الأطر الرسمية للنظام يفترض أنها تستوعب هذه القاعدة التي تحدد مساحة و حجم المعارضة المسموح بها و اللتي تتجاوز الحدود المرسومة فهناك رفض قاطع للمؤسسة الملكية فيما يخص اباحية المعارضة المطلقة للنظام و إنما المطلوب و هو معارضة للحكومة بعيدا عن الجدل العقيم الذي يمس المؤسسات للنظام و قراراته و مبادراته. وهو ما ترفضه جماعة العدل و الاحسان فالمعارضة لديها شاملة لطبيعة النظام القائم يقول عبد السلام ياسين “خطنا السياسي الواضح هو اننا لانعارض حكام الجبر معارضة الاحزاب على مستوى تدبير الالمعاش و الاقتصاد بل نعصيهم لانهم خرجوا عن دائرة الاسلام الو ان يتوبو توبة عمر بن عبد العزيز و قد كتبنا في غير هذا المكان ماذا نعني بهذا نعصيهم و نعارضهم لانهم خربوا الدين”. إن جماعة العدل و الاحسان عارضت المؤسسة الملكية بشأن مسائل واسعة في طبيعتها بحيث رفضت طبيعة نظام الحكم بالمغرب باعتباره ملكا جبريا يتعين عليه التوبة بل هذه احد اطر الجماعة الى الدعوة الضمنية للنظام الجمهوري باعتباره أقرب الأنظمة لإقامة العدالة ، إن استخدام جماعة العدل و الاحسان لعدد لا بأس به من أشكال المعارضة السياسية للمؤسسة الملكية من خلال كتابات مرشد الجماعات و خطاب أطرها تقدم إلينا مذكرة من يهمه الأمر نموذجا للتحدي السياسي للملكية فهذه الرسالة تميزت بجرأة تقارب في كثير من الأحيان حدود الاستفزاز لا سيما و أن الدستور ينص على ان شخص الملك مقدسكما على ان هذه الرسالة تتحدث مع الملك بصيغة المفرد و تطرح عليه شروط الاصلاح بشكل توجهي إلزامي كما انها حرصت على عدم الاتزام بحد ادنى من شروط التعامل مع الملكية فهذه الجماعة تدرك ان تحديها المستمر للملكية يحرمها من العمل من داخل المؤسسات السياسية القائمة يقول عبد السلام ياسين عرضوا علينا تاسيس حزب سياسي بشر ان نقلع عن توجيه النقد الى القصر الملكي و هذا ما رفضناه لانه سيفقدها شيئا من جاذبيتها و قوتها و يعرضها لتزكية الوضع القائم ليكن واضحا اننا لسنا نرمي لترميم صدع الانظمة الالمنهارة معنويا المنتظرة ساعتها ليجرفها الطوفان ويندك ما كان يظنه الغافلون عن الله الجاهلون في القرى الظالم اهلها حصونا منيعة وقلاعا حصينة وتندثر و تغرق . * في الحلقة القادمة : اشتراط جماعة العدل و الإحسان تحقيق مكاسب مقابل المشاركة
المصدر: شورى بريس نشر في شورى بريس

