{}تحاول هذه الدراسة رصد شروط المقايضة و حدودها و عوائقها في النظام السياسي المغربي بين الملكية و جزء من معارضة الإسلاميين المتمثل في جماعة العدل و الإحسان .
فهذه المقايضة من وجهة نظر الملكية و وفق خبراتها التاريخية تتضمن تخلي جماعة العدل و الإحسان عن أكثر مواقفها راديكالية و قبولها العمل بالقواعد السياسية الرسمية المعمول بها . في مقابل ذلك ، تعتبر جماعة العدل و الإحسان أن خضوعها لهذه المقايضة كما تطرحه الملكية سيجعلها لا محالة تفقد هويتها الإديلوجية و السياسية و يجعلها بدون خصائص متميزة . و هو امر ليست مستعدة للتضحية به بدون ضمانات و اشتراطات قبلية تجعل أمر مشاركتها ذي مغزى . بقلم : الأستاذ عمر الشرقاوي الحلقة 2 الموافقة على القواعد السياسية الرسمية: لا يسمح عادة للفاعلين السياسيين ولوج الحقل السياسي الرسمي إلا بعد أن يصرحوا علنا أو ضمنا بقبولهم الامتثال لقواعد اللعبة السياسية المفروضة من السلطة فهذا يعتبر مدخلا مهما لقياس مدى جوهر العلاقة بين مختلف الفاعلين و المؤسسة الملكية ، فطالما أن هناك جماعات تقبل القواعد السياسية القائمة فإن النظام السياسي في مأمن . و لكن إذا ما تحدت واحدة أو أكثر من بين تلك الجماعات هذه القواعد فإن المؤسسة الملكية تصبح في مواجهة تحدي جدي يتطلب ردود أفعال صارمة ، من الصعب تقديم رصد إمبريقي لكل القواعد السياسية المتضمنة لمقايضة مشاركة جماعة العدل و الإحسان نظرا لغموض بعضها ، و عدم ثبوت البعض الآخر ، لكن هناك جزء هذه القواعد السياسية محدد و ملزم للجميع ، بحيث يستبعد من اللعبة كل من لا يقبل به و ينصاع له ، بالنظر إلى أنه يجسد الهيمنة الفعلية للمؤسسة الملكية على الشأن السياسي ، و خاصة على مستوى الممارسة الفعلية. القاعدة الأولى الإقرار بإمارة المؤمنين : لم تكن إمارة المؤمنين المتمركزة على البيعة بنودا تشريعية ، فقد غطت عمليا الحياة السياسية المغربية بل نسخت كل القواعد الشكلية للدستور ، مما جعلها فوق المؤسسات و لم تحدها أي حدود ، لأنها تمارس وفق القرآن و السنة ، وتستند للطابع المزدوج للبيعة على أمور الدين و الدنيا ، مما يضفي عليها نوعا من القداسة ، جعلها حصنا يصمد في كل من ينازع الملك المنصب الأسمى و تجعل كل من يبدي عدم رضاه خارجا عن الطاعة. و الواقع أن القبول بالشرعية الدينية كما جسدتها إمارة المؤمنين التي تقوم على البيعة ، تشكل مدخلا أساسيا لنجاح هذه المقايضة من وجهة نظر الملكية اتجاه جماعة العدل و الاحسان التي ما فتئت تشكك باستمرار بتطابق إمارة المؤمنين على النظام السياسي المغربي. إن جماعة العدل و الإحسان لا تقيم تمييزا بين النظرية و التطبيق و التاريخ بخصوص حقل إمارة المؤمنين ، أو ضد الشرعية الدينية للنظام السياسي ، و لكنها تقيم حالة مبدأ شرطي بين المبدأ و التطبيق ، الذي تعتقد أنه غير قائم في سلوك المؤسسة الملكية ، فهي تقر بأن “إمارة المؤمنين شأن عظيم ، أول من تسمى بأمير المؤمنين عمر ابن الخطاب رضي الله عنه نقول أحيانا لمن يتسمون بهذا الإسم العظيم الكريم .. عند الله عز و جل ، الذي اختاره الصحابة رضي الله عنهم ، سمي أبو بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه و سلم ، ثم جاء الثاني رضي الله عنه و أرضاه سيدنا عمر فقالوا ربما يكثر الأمر إن قلنا خليفة خليفة ، فاذا جاء الثالث و الرابع نقول خليفة خليفة ، نقول هذا أمير المؤمنين ، اختيار ، و ضمن تسمية اختيار اختارته الأمة ، اختارته الأمة هو أمير لهم و المسلمون أمروه على المؤمنين، هؤلاء الذين ينتسبون ويتسلطون على الألقاب النورانية اختارتهم الأمة؟ لا، إنه الحكم الجبري، والد الولد اختار للأمة من ذريته فلانا أو فلانا)”. وتأسيسا على ذلك، تحاول الجماعة تنفيذ الشرعية الدينية أو على الأقل التشكيك المستمر في الأسس التي تقوم عليها إمارة المؤمنين ، من خلال تفسيره الأصولي للبيعة، والذي يترتب عليه الاختيار بالشورى بدل الاختيار بالوراثة. فهي لا تتوان في إبداء النقد اللآذع للبيعة للملك باعتبارها تجسد “تدهور الحكم على رقاب المسلمين، واستحكم السيف متمكنا بقوته وبفتوى شرعية الاستيلاء ووجوب طاعة (من غلب عليهم بالسيف ) ، فاستحالت البيعة إلى نوع من الحفلات التهريجية يقدم فيها القربان الرمزي للحاكم الذي أصبح يستعبد الناس لشخصه من دون الله. يقول مؤرخنا رحمه الله:(وأما البيعة المشهورة لهذا العهد فهي تحية الملوك الكسروية من تقبيل الأرض أو اليد أو الرجل أو الذٌيل (…) . واستغني بها عن مصافحة أيدي الناس(…) لما في المصافحة لكل أحد من التنزل والابتذال المنافيين للرياسة وصون المنصب الملكي). لايقف نقد الجماعة للبيعة كما تمارسها المؤسسة الملكية عند اختلال شرط االرضا، الذي يعتبره مفقودا وبهيمنة تقاليد البيعة المخزنية المقيتة التي تقوم على (طقوس بهلوانية لا تمت بأية صلة إلى الميثاق الإسلامي) ، بل تتجاوزه إلى رفض الأساس الوراثي الذي تشرعنه البيعة حين يعتبر أن (الملك العاض الذي يعض على الأمة بالوراثة وبيعة الإكراه مضى وولى). وإذا كان نقد عبد السلام ياسين للبيعة القائمة باعتبارها مجرد تصرف شكلي يقوم على البهرجة، حيث تغدو مجرد التزامات انفرادية بطاعة المبايعين للملك ، تساهم في تكريس وتثبيت وضعية السلطان الجديد تجاه المنافسين المحتملين ، فإن نقده للأساس الوراثي للبيعة كان أشد، فهو بنظره نظام فاسد، وهي بدعة ابتدعها معاوية ليمكن لولده يزيد الفاسق من رقاب المسلمين وليحول الخلافة ملكا عاضا مستقرا في غلمان بني أمية. لذلك فولاية العهد وتوريث الحكم لا أساس له في البيعة الصحيحة، ومن ثم سيعبر الأستاذ ياسين عن رفضه لكل البيعات التي أبرمت في تاريخ المسلمين منذ القضاء على الخلافة الراشدة، والتي تبدأ منذ عهد معاوية، مؤسسة الحكم على الجبرية والإكراه، أي الملك العاض الوراثي. وإذا كان عبد السلام ياسين يؤكد على الموقف الفقهي المبدئي من ولاية العهد، لم يختلف حول اعتبارها طريقا من طرق الاختلاف ، فإن نقده انصب حول ما في التفاصيل المتعلقة بهذا الإجراء ، فمعارضته لولاية العهد التاريخية إنما كانت تراعي اعتبارات أخرى ، تعود بالدرجة الأولى انقلابها من ولاية عهد خلافية إلى ولاية عهد وراثية . و هو ما سيجعل تنظيرات عبدالسلام ياسين تتجه إلى إعادة بناء منطق إمارة المؤمنين المأثث في الدستور المغربي و مراجعة مفرداته ، بحيث نفهم من كتابات مرشد جماعة العدل و الإحسان تقريره بأن النظام المغربي يخرج عن مقومات الخلافة على منهاج النبوة ، لأنه ملك عاض و جبري يعض على الأمة بالوراثة و بيعة الإكراه . إن قيام جماعة العدل و الإحسن بمنازعة المؤسسة الملكية شرعيتها الدينية ، بل و التشكيك المستمر في حجية استنادها إلى ذلك المصدر و الطعن في عقد البيعة التي يجمعها بالشعب ، إنما كان شرطا جوهريا مانعا لمشاركة هذه الجماعة ضمن الأطر الرسمية للنظام المغربي . في الحلقة القادمة 3: القاعدة الثانية : الإقرار بالملكية الدستورية التنفيذية
المصدر: شورى بريس نشر في شورى بريس

