{}تحاول هذه الدراسة رصد شروط المقايضة و حدودها و عوائقها في النظام السياسي المغربي بين الملكية و جزء من معارضة الإسلاميين المتمثل في جماعة العدل و الإحسان .
فهذه المقايضة من وجهة نظر الملكية و وفق خبراتها التاريخية تتضمن تخلي جماعة العدل و الإحسان عن أكثر مواقفها راديكالية و قبولها العمل بالقواعد السياسية الرسمية المعمول بها . في مقابل ذلك ، تعتبر جماعة العدل و الإحسان أن خضوعها لهذه المقايضة كما تطرحه الملكية سيجعلها لا محالة تفقد هويتها الإديلوجية و السياسية و يجعلها بدون خصائص متميزة . و هو امر ليست مستعدة للتضحية به بدون ضمانات و اشتراطات قبلية تجعل أمر مشاركتها ذي مغزى . بقلم : الأستاذ عمر الشرقاوي تجاوز مفعول المقايضة المعاملات الاقتصادية بشكلها البدائي وتم توظيفه بكثافة في الكتابات السياسية الحديثة ما أنتجته أدبيات الانتقال الديمقراطي .فقد اعتبرت بعض الدراسات أن تجاوز اعتلالات الأنظمة السياسية يتطلب عقد صفقة سياسية بين النظام وقوى المعارضة الإصلاحية تقوم على الحل الوسط والالتقاء بمنتصف الطريق وهو ما أطلق عليه صمويل هانتجتون مقايضة المشاركة في مقابل رفضها للخيارات الراديكالية ، وقبولها بالحلول الإصلاحية المعتدلة وتمثل هذه الصفقة مرحلة متقدمة وإيجابية في عملية التحول إذ إنها تحد من حالة الضبابية والايقين الناشئة عن اعتلال النظام ، وهي ضمانات كبيرة للتقليل من خسائر ومخاوف عملية وتساهم في ترشيد الانتقال إلى الديموقراطية. تحاول هذه الدراسة رصد شروط هذه المقايضة و حدودها و عوائقها في النظام السياسي المغربي بين الملكية وجزء من معارضة الإسلامية المتمثل في جماعة العدل والإحسان ، فهذه المقايضة من وجهة نظر الملكية ووفق خبراتها التاريخية تتضمن تخلي جماعة العدل والإحسان عن أكثر مواقفها راديكالية و قبولها العمل بالقواعد السياسية الرسمية المعول بها، في مقابل ذلك، تعتبر جماعة العدل و الإحسان أن خضوعها لهذه المقايضة كما تطرح الملكية سيجعلها لا محالة تفقد هويتها الإيديولوجية و السياسية ويجعلها بدون خصائص متميزة، وهو أمر ليست الجماعة مستعدة للتضحية به بدون ضمانات و اشتراطات قبلية تجعل أمر مشاركتها ذى مغزى. اشتراط اعتدال جماعة العدل والإحسان مقابل المشاركة: تعمل مقايضة المشاركة من وجهة نظر الملكية على تهذيب الإيديولوجية السياسية لجماعة العدل والإحسان، عبر ضمانات صارمة تجعلهم لا يحملون مشروعا إسلاميا أصوليا جذريا، بل مشروعا إصلاحيا مدنيا لا يبتعد كثيرا عمل تدعو إليه بعض الأحزاب السياسية القائمة وجعلها دون توجهات مميزة ، لذلك سعت المؤسسة الملكية جاهدة، إلى محاولة تهميش دور الجماعة في الحياة السياسية خاصة و أنها تمتلك الأدوات السلطوية و الإيديولوجية التي تمكنها من ذلك، وجعلتها تعيش على هامش النظام السياسي وتشكو من عوامل ضعف أكيدة في علاقاتها بالنخبة السياسية و الدينية . خصوصا أن هذه النخبة لازالت تعيش حالة من التوافق مع الملكية وتدرك يقينا أن التعامل الإيجابي مع مبادرات جماعة العدل و الإحسان من شأنه أي يمس بهذا التوافق. يفترض اعتدال جماعة العدل و الإحسان كشرط للمشاركة من وجهة الملكية، تحولا ملموسا على المستويين، أولهما مذهبي و إديولوجي من خلال التخلي على التهيئات الثورية لديها . و ثانيهما سياسي ويشمل موافقة جماعة العدل و الإحسان على العمل من خلال القواعد السياسية الرسمية المعمول بها. التحول المذهبي و الإيديولوجي لجماعة العدل و الإحسان مقابل المشاركة: كرست جماعة العدل و الإحسان الوقت الطويل و الجهد المضني من إيديولوجيتها للمواقف الجذرية اتجاه الملكية، حتى أنها كونت معجما فائضا من المفاهيم العنيفة لفظيا من مثيل (الحكم الفاسد، بيعة الإكراه الملك الجبري، النظام المخزني المقيت، القارونية، الفرعونية…).فهذه الجماعة ابتدأت مشروعها السياسي بجرأة نادرة على أساس تقويض مشروعية الملكية في النظام السياسي المغربي، المرتهنة في نظرها إلى الملك الجبري و العاض وبيعة الإكراه وبالتالي فهي تفتقد لأية مشروعية دينية أو سياسية، وهي قائمة عل الشوكة والتسلط. ومن ثمة عملت إيديولوجية جماعة العدل والإحسان على وظيفة سحب المشروعية من النظام السياسي القائم، من خلال تكثيف الإدانة إزاء المؤسسة الملكية، عبر أدبياتها وآلياتها التي تتوسلها بتشخيص الوضع القائم ، حيث تصبح المؤسسة الملكية من منظور الجماعة المسؤولة عن تردي الأوضاع الاقتصادية و السياسية و سبب الإنحلال السياسي الذي يتخطب فيه المغرب. إن تكثيف إدانة جماعة العدل والإحسان للمؤسسة الملكية يتم بتبنيها لغة فضة، لا تتوانى عن وصف الملكية بأنها لا تصلح للمغرب وأن النظام القائم شتيمة وظلم سياسي يقع على المغاربة(…) وأن المغاربة ليسوا ملزمين بقبول هذا النظام إلى يوم القيامة(…) أتوقع أن يكون سقوط هذا النظام وشيكا)،،،) و أن ووصف الدستور الذي وضعه الملك بأنه لا يصلح إلا لمزبلة التاريخ. وعلى الرغم من الارتدادات العكسية لهذه الجذرية على الجماعة، ليس فقط من خلال ردود أفعال المؤسسة الملكية عبر مزيد من المتابعات القضائية والأمنية، ولكن كذلك من خلال ردود الفاعلين الحزبيين و الدينيين المدينين ، فإن الجماعة يصعب عليها الخروج عن الجذرية اللفظية في خطابها السياسي، نظرا للوظيفة الاستقطابية لهذه النزعة و المكاسب السياسية التي جنتها من وراء قدرتها على تحمل عبء هذه العقيدة السياسية . من المهم الإشارة هنا ، أنه رغم العنف اللفظي الذي طبع القاموس السياسي لجماعة العدل والإحسان، إلا أنها رسخت قطيعتها الكاملة مع الخطاب التكفيري الانقلابي ، فبخلاف الخطاب السياسي للجماعات الإسلامية المتشددة التي تستند على مفهوم الجاهلية و التكفير، كما وضع أسسها كل من أبو الأعلى المودوديو و السيد قطب ، فإن عبد السلام ياسين نأى بنفسه عن هذا التوجه لينتج مفهوم الفتنة ويميزه عن كل ما يلحقه بالمجتمع الجاهلي و مكوناته. فوجود نخبة سياسية فاسدة وقيام حكم قهري لايبرر بنظره نعت كل مجتمع بالكفر والجاهلية يقول (عبد السلام ياسين “فهل أصبح مجتمع المسلمين كافرا جاهليا بوجود طائفة المرتدين و المنافقين و العصاة ، أو هم من أمة محمد صلى الله عليه وسلم لا يزاولون فتنة). ومع ذلك فإن هذا الأمر لايشكل عامل اطمئنان كافي للملكية، التي تتوخى من هذه المقايضة تخلي الجماعة عن النزوعات الايديولوجية الجذرية، خصوصا و أن الملكية تدرك من خلال خبرتها التاريخية أن جذور جذرية هذه الجماعة ليست مسألة ثقافية بل سياسية تخضع لطبيعة الحراك السياسي ، ففي بداية السنتين الأوليتين من تولية الملك محمد السادس، اتسمت مواقف الجماعة بنوع من التهدئة، وانتظار ما ستسفر عنه المفاوضات مع ممثلي القصر الملكي . وبعد عدم الاستجابة لمطالب الجماعة فيما يخص تسوية وضعيتها القانونية و إطلاق سراح معتقليها، إلتجأت إلى التكثيف من جذريتها من خلال مذكرة إلى من يهمه الأمر، ومنذ ذلك الحين ما فتأ خطابها يزداد حدة وعنفا اتجاه الملكية وصل إلى حد المطالبة عن التخلي عن النظام الملكي ، لتكتمل تلك الجذرية منذ نهاية 2006 ، نتيجة تزايد وارتفاع حجم المتابعات القضائية وفي حق مريديها وتنظيماتها الموازية. لا تقبل الملكية مشاركة جماعة العدل والإحسان في ظل هيمنة هذه النزعات الجذرية التي طبعت خطابها وسلوكها السياسيين خلال الثلاث عقود الأخيرة والتي تتوخى تغيير طبيعة النظام السياسي ووضع أسس جديدة للشرعية السياسية ، وتبقى إمكانية إدماج هذه الجماعة ضمن الأطر الرسمية للنظام السياسي مرتبط في جزء منه بتخفيف هذه الأخيرة لمقولاتها الدينية الأخلاقية والروحية وإفساح المجال لتمدد المجال التداولي السياسي داخل خطابها ، عبر ترجمة أطروحات إيديولوجية ثابتة داخل هذا الخطاب إلى ممارسة سياسية برغماتية متغيرة ، أي انتقال أدبياتها من البعد النبوي الرسالي الذي كان يندرج في إطار نظرة كلية وراديكالية لمسألة السلطة ، إلى نظرة أكثر لطافة و أكثر استحضارا للسياسة بفعل تعلمها لميكانيزمات الفعل السياسي من خلال الممارسة إن هي أرادت إدماج نفسها ضمن الأطر الرسمية للنظام السياسي. يتبع الموافقة على القواعد السياسية الرسمية:
المصدر: شورى بريس نشر في شورى بريس



