يهدف برنامج السكن الاجتماعي إلى توفير شقق منخفضة السعر للأسر الفقيرة، في إطار اتفاقيات بين الحكومة والمستثمرين في مجال العقار، يتعهد فيها الطرف الثاني بتوفير شقق لا تقل مساحتها عن 50 مترا مربعا، ولا يزيد سعر بيعها على 250 ألف درهم، مقابل إعفاء تام من الضرائب. وقد أبرمت الحكومة في هذا الإطار نحو 600 اتفاقية تضمنت إعداد ما يقارب المليون شقة. واستفاد من برامج السكن الاجتماعي 450 مقاولا عقاريا، بينهم عشر مجموعات عقارية ضخمة، و380 شركة عقارية صغيرة ومتوسطة، و60 مقاولة فردية.
بيد أن السكن الاجتماعي تحول تدريجيا إلى أداة ربحية لدى البعض، فأصبح اقتناء وحدة سكنية استثمارا الهدف منه تحقيق أرباح سريعة، مقابل عجز مئات الشباب المغربي وبعض الأسر عن إيجاد مسكن لائق، مع وجود بنايات كبيرة فارغة، والذي يعود أساساً إلى اقتناء عدد من أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج لهذه الشقق. ليفرض القطاع الوصي ضرورة أن يقطن المستفيد في شقته لمدة 4 سنوات قبل إعادة بيعها، كما لا يمكنك حق الاستفادة إلا من مسكن واحد. مقابل ذلك يلجأ بعضهم إلى التحايل على القانون، بشراء منازل باسم قاصرين والوصاية عليهم. وللتصدي لهذه الظاهرة فرض القطاع الوصي على المستفيدين من السكن الاجتماعي بعد 4 سنوات من الإقامة الفعلية، طلب رفع اليد عن العقار، والذي سيخول للسلطات الضريبية الكشف عن أولئك الذين يستغلون مساكن البسطاء لأغراض ربحية، إذ تسلم شهادة رفع اليد عن العقار «la mainlevèe « من مديرية الضرائب وإن لم يتم سداد قيمة العقار بعد بشكل كامل. و في حال عدم الاستجابة يجبر المستفيد على أداء رسوم ضريبية عن كل تأخير، بعد التوصل بإشعار من مفتشي الضرائب بضرورة تسوية الوضعية القانونية في أجل أقصاه شهر، و إلا يتحمل المستفيد قيمة الضرائب بزيادة 0.5% عن كل شهر تأخير، مقابل 1% في واجبات التسجيل، حيث سيكون مجبرا على أداء الضريبة على القيمة المضافة التي تصل إلى 40 ألف درهم بالنسبة لسكن اقتصادي قيمته 250 ألف درهم حسب قانون المالية 2016. انطلق البرنامج سنة 2010، مكلفا ميزانية الدولة ما يناهز 7 مليار درهم، إذ وقعت الحكومة ما بين 2010 و 2016 اتفاقيات لبناء 1.5 مليون مسكن. في هذا السياق، يرى مواطنون أنه من العيب السماح لبعض الأثرياء باستغلاله كمسكن ثانوي، أو بيعه من طرف المرتزقين منه بثمن غير ثمنه الحقيقي، مقابل عدم استفادة المواطن البسيط من المشروع الذي يستهدفه، و من العار السماح لأي كان أن يعبث بمليارات الدراهم الموجهة بشكل مباشر لتوفير سكن لائق للمواطنين. ومن جهتهم عبر بعض المستفيدين من برامج هذا السكن، عن استيائهم من الوضعية المزرية للشقق، من خلال ضعف جودتها. فأعطاب يصادفونها كلما رغبوا في استعمال الموصل الكهربائي داخل الجدران دون الحديث عن الربط التلفزي، و زليج قيل عنه إنه مثبت في عدد من الشقق، والتي لا تطابق المعايير التي انبهروا بها في الشقة النموذجية، ناهيك عن عدم وجود سياج لحماية العمارات في الدروب والأزقة الضيقة، بأدراج مكتظة، و شقق في مواجهة أخرى مما يستحيل معه حتى فتح النوافذ بدون ستارات، مع شبه انعدام دخول الشمس، حيث لا ت شُرف، و لا أماكن للدراجات أو الغسيل أو المخازن. قائمة الأضرار المادية والصحية، قال عنها السكان إنها كانت موضوع مراسلات إلى الشركات المسؤولة عن المشروع، مرفوقة بمحاضر معاينة أنجزتها لجن بعد زيارتها الميدانية لبعض الشقق، خلصت إلى تضرر بعضها من حيث صباغة جدران الغرف تناثرت بسبب تسربات المياه، وخصوصا الغرف المحاذية للحمامات والمراحيض، مع وجود تسربات المياه من داخل الشقق المحاذية للسطح. إلا أن التقرير المذكور للجنة، ظل حبيس رفوف المستثمرين، و نسخ قصد الإخبار (لكل غاية مفيدة) في دواليب الوزارة الوصية. يجمع العديد من الخبراء، على أن سياسة السكن الاجتماعي تفتقر إلى تخطيط وطني يراعي الحاجيات الحقيقية في مجال السكن، كما أنه ساهم في تعزيز المنعشين العقاريين الجدد، موضحين أن الكلفة الحقيقية للسكن الاجتماعي بالمواصفات التي تحددها دفاتر التحملات تصل إلى 194 ألف و250 درهم ، وأن سوق السكن الاجتماعي سوق مربح، ويشهد إقبالا، جاذبا للرأسمال الأجنبي، إضافة إلى غياب الجماعات المحلية عن تدبير هذا الملف، على اعتبار أن السكن الاجتماعي في عمقه “منتوج قرب”، وأن الجماعات المحلية يجب أن تكون فاعلا أساسيا في تطويره و تحديد الخصاص. وقد حذر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، في وقت سابق، من انفجار الأوضاع داخل السكن الاجتماعي في المدن الكبرى، و الذي قد يتحول في السنوات المقبلة إلى بؤر متكاثرة باستمرار لانعدام الأمن والتوترات الاجتماعية. وأكد التقرير أن هذا الوضع يخلق احتقانا اجتماعيا غير مسبوق، يتمثل في تكوين مناطق سكينة مترامية الأطراف مكونة من عمارات تقطنها أسر ذات دخل ضعيف، بنسب بطالة مرتفعة في صفوفهم، وخاصة في أوساط الشباب. معتبرا أن عدم تحقيق سياسة المدن الجديدة للنتائج المرجوة راجع أساس إلى التصور الذي وضع لهذه المدن الجديدة كمجموعة من التجزئات، لا تتوفر على أي إطار قانوني ومؤسساتي يتيح لها أن تكون محل تقاطع للسياسات العمومية، مضيفا أنها ساهمت في التوسع الحضري عوض الحد منه، ما أدى إلى نمط غير مستدام لتدبير المرافق العمومية الحضرية والخدمات الاجتماعية وخصوصا في المدن الكبرى، وأوصى التقرير بضرورة تغير الممارسات الحالية في مجال إعداد وتفعيل وثائق التعمير، داعيا إلى الأخذ بعين الاعتبار البيئة والنجاعة الطاقية في تحديد سياسة التعمير، وجعل التخطيط الحضري مفتاح تدبير مستدام ومجال لتحقيق التقاطع بين السياسات العمومية بشكل فعلي. هو برنامج السكن الاجتماعي الذي خلق جدلا واسعا، و أسال مداد عدد من الأقلام، بين ساكن باحث عن جدران تقيه طرقات «مول الكرا» بداية كل شهر، و منعش عقاري أعفي من الضرائب عسى أن يخلص في ما صنع، و حكومة هي الخصم و الحكم، تدور قصص عائلات عديدة مع شقق السكن الاجتماعي، بين من يسمع مزاح جيرانه و كأنه جالس بينهم، و من فاضت عليه سيول مياه الصرف الصحي من الجدران، أو استمتع بمنظر الإسمنت الرمادي وهو يرى «دموع» لون جداره الأبيض، الذي تقشر بمجرد وضع يده على الباب، إلا أن القاسم المشترك بين الجميع هو إصلاحات جذرية قبل السكن، قد تقدر بنصف ثمن الشقة أو ثلثه أو كأنه هو، و من لم يجد فعليه وزرها (الشقة) و وزر من بناها.
المصدر: زكرياء لعروسي نشر في العلم

