احتضنت قاعة العلامة محمد المنوني، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، أكدال، بالرباط، أخيرا، أطوار مناقشة أطروحة جامعية، تقدم بها الباحث المغربي ورئيس اتحاد كتاب المغرب، عبد الرحيم العلام، لنيل دكتوراه الدولة في الآداب، في موضوع “القرية
والمدينة
في الرواية المغربية: بحث في البنيات والمكونات والدلالات”، تحت إشراف الأستاذ الدكتور حسن بحراوي؛ بحث جامعي كان العلام قد سجله، في صيغته الأولى، عام 1994.
تكونت اللجنة العلمية للمناقشة، من الأساتذة: الدكتور سعيد يقطين رئيسا وعضوا، والدكتور حسن بحراوي، والدكتور عبد الرحمن طنكول، والدكتور عمر حلي، والدكتور عبد العالي بوطيب، والدكتور محمد حجو، أعضاء، بحضور عميد الكلية، الدكتور جمال الدين الهاني.
دارت المناقشة في أجواء علمية متميزة، ودامت أزيد من أربع ساعات، توجت بحصول العلام على شهادة دكتوراه الدولة في الآداب، بميزة جيد جدا مع التوصية بنشر الأطروحة.
كما تميزت هذه الجلسة الأكاديمية العلمية، بحضور وازن، لعدد من الجامعيين والمفكرين والأدباء والفنانين ونساء الإعلام ورجاله والطلبة.
هي لحظة انتظرها الباحث عبد الرحيم العلام طويلا، لأزيد من عشرين سنة، كما قال، إذ يعود تاريخ تسجيله الأول في دكتوراه الدولة، إلى شهر يونيو 1994. ومن جميل المصادفات، أن يكون الشهر الذي سجل فيه أطروحته، هو الشهر نفسه الذي تمت فيه مناقشتها.
وما كان لهذه المغامرة أن ترسو أخيرا، لولا الفضل الكبير، كما أشار العلام، لأساتذته، ممن حفزوه على تجديد انخراطه في صلب البحث الجامعي، وعلى إتمام هذا المشروع، الذي حالت ظروف وإكراهات وانشغالات دون أن ينجزه في آجاله، وبالصيغة الأولى التي سجله بها، علما بأنه لم يحصل أن غادر، في أي وقت من الأوقات، مجال الكتابة والبحث والممارسة النقدية.
يراهن هذا البحث، حسب الباحث العلام، على مقاربة موضوع «القرية
والمدينة
في الرواية المغربية»، من زاوية تحليل بنياتهما ومكوناتهما ودلالاتهما في نماذج روائية مختارة، في محاولة إدراك مستويات وأشكال تمثل الرواية المغربية، المكتوبة بالعربية، لمكوني “القرية” و”
المدينة
“، وفي رصدها للتحولات التي طالت المجتمع المغربي، في قراه ومدنه، وفي تناقضاته وتشعباته، وفي ظواهره ومتغيراته الاجتماعية والسياسية والثقافية، وأيضا في مطارحة النصوص المختارة في هذا البحث، لقضايا وأسئلة وتيمات مهيمنة ومتشابكة، سواء في خصوصية هذين الفضاءين (القرية
والمدينة
)، أو في تداخلهما، وامتداد أحدهما في الآخر، أو أيضا في تعالقهما بأسئلة وثيمات وقضايا، جاءت بعض النصوص الروائية المغربية، مهووسة بتمثلها، تخييليا وبنيويا ودلاليا.
ويعود اختيار العلام البحث في هذا الموضوع، في جانب منه، إلى ما يطبع القرية
والمدينة
في المغرب، من أشكال التنوع والغنى والخصوصية، بما هو تنوع له انعكاسه على طبيعة المتخيل الروائي نفسه، إذ أتت مجموعة من الروايات مجسدة لذلك الغنى والتعدد، وطافحة بتنوع أشكال تمثلها للقرية وللمدينة في المغرب، وخصوصا من حيث إبرازها لصور الانتقال من موضوعات تقليدية مهيمنة إلى موضوعات أخرى مغايرة، تلامس صيرورة المجتمع القروي والمديني، في تحولهما بين الماضي والحاضر، وفي انشدادهما إلى المستقبل..
ويرجع، في جانب آخر، إلى ندرة اهتمام البحث الجامعي بالمغرب، وعلى حد بموضوع القرية
والمدينة
في الرواية المغربية، في استقلالية هذين المكونين، على مستوى البحث والرصد والتناول، في حين شكل موضوع القرية
والمدينة
، أيضا، جانبا مهما في قراءات العلام وأبحاثه النقدية الموازية، مجسدا فيما سبق أن أنجزه من قراءات ودراسات في نماذج روائية، مغربية وعربية، بشكل مكنه من إدراك بعض خصوصيات متخيل القرية
والمدينة
، وقربه من بعض عوالمه الإبداعية.
وفي هذا السياق، حاول العلام، في بحثه، الاقتراب من خصوصية بعض النصوص الروائية المغربية المستوحية للقرية وللمدينة تحديدا، إذ تمكن مجموعة من الروائيين، ممن ترسخ لديهم وعي خاص بالكتابة عن القرية أو عن
المدينة
، من أن يجعلوا من هذين الفضاءين، خلفية أساسية لبعض أعمالهم الروائية، من زوايا ومنظورات مغايرة، وبأشكال سردية متنوعة، تبعا للتحولات التي طالت كلا من القرية
والمدينة
في المغرب، على مدى مراحل زمنية متعاقبة.فيما راهن، عبر تنويع المتن الروائي المدروس، على الوقوف عند حجم الإسهام السردي الذي حققته الرواية المغربية، عبر نصوصها المتناسلة، على مستوى تمثلها لكل من القرية
والمدينة
، بغاية التعبير عن المجتمع المغربي، في تجلياته المختلفة، تبعا لتنوع فضاءاته ومكوناته وبنياته الاجتماعية والبشرية والثقافية والذهنية، آخذا بعين الاعتبار، ذلك التناغم القائم بين أشكال مختلفة من الكتابة السائدة، في استلهامها لفضاءي القرية
والمدينة
، كالرواية والسيرة الذاتية والمحكيات واليوميات والرواية البوليسية، وغيرها، بما هي أشكال تتعايش في ما بينها، وتستجيب لآفاق انتظار القراء.
وتأسيسا على ذلك، قام الباحث العلام بمقاربة النماذج المختارة، في تنوع طرائق استيحائها للقرية وللمدينة، وقد تحولتا معا إلى إشكال فني وجمالي في بعض النصوص، وإلى عناصر وشخوص مهيمنة على استراتيجيات نصوص أخرى، وذلك بغاية إدراك مستويات وأشكال تمثل المتون المدروسة لهذين الفضاءين، في مكوناتهما البنيوية والدلالية، باعتبارهما فضاءين جغرافيين وفنيين ورمزيين، مفتوحين على المعنى والتآويل، وأيضا بالنظر لدورهما المؤثر في مقاربة الإدراك الإنساني للحياة داخل القرية
والمدينة
. كما سعى، في بحثه هذا، إلى إبراز طبيعة تمثل كل كاتب على حدة لهذا الفضاء الروائي أو ذاك، على نحو يقرب القراء من أشكال متغايرة، في الرؤية للعالم، وصوغ الواقع، وتنويع طرائق السرد والكلام واللغات، موازاة مع كون هؤلاء الروائيين لم يلغوا من مجال تفكيرهم الكتابة عن القرية، في تجلياتها وفضاءاتها المختلفة، وعن
المدينة
، في صورها النمطية أحيانا والدينامية أحيانا أخرى.
وموازاة مع ذلك، تفاعل الباحث العلام في هذا البحث، مع بعض الأسئلة الضمنية المخصبة لموضوعه، من قبيل تساؤله عن الأسس الكتابية المتحكمة في الروايات المستوحية لفضاءي القرية
والمدينة
، والطريقة التي تؤسس بها روايتا القرية
والمدينة
عوالمهما التخييلية والسردية، في ظل العلائق التي تحكم بنياتهما الخاصة ووعيهما الجمعي، بمثل تساؤله عن كيفية تشكل التيمات الأساسية ودلالات تبئيرها، ومرجعيات تواترها وهيمنتها على الروايات المستوحية للقرية وللمدينة، وعن الطريقة التي تكتب بها الروايات المستوحية لهذين الفضاءين، تاريخ وعيهما الطبقي وصراعهما من أجل الانعتاق والتحرر، والكيفية التي يتم بها إعادة تشخيص الواقع وإنتاجه في نصوص القرية
والمدينة
، عدا تساؤله، أيضا، عن عناصر “الموازاة” و”التفاعل” و”المد” بين صورة القرية وصورة
المدينة
في الرواية، وعن ملامح الاغتراب في روايتي القرية
والمدينة
.
تلك بعض الأسئلة الأولية التي حضرت الباحث، وهو ينكب على دراسة نصوص المتن الروائي في هذا البحث، الذي قام بتوزيعه إلى قسمين تحليليين كبيرين، يتكون كل قسم من عدد من الفصول، فضلا عن مقدمة عامة مركزة، وخاتمة عامة موسعة، حاول فيها، عبر زوايا بحثية مفتوحة على مزيد من المقاربة والتحليل والاستنتاج، مطارحة بعض الأسئلة المفتوحة، في رصدها، هي أيضا، لبعض قضايا الكتابة عن القرية
والمدينة
في الرواية المغربية، من قبيل أسئلة التحول والالتباس والتشابه والمكرورية، بين أسئلة القرية وأسئلة
المدينة
، وكذا التساؤل حول مدى قدرة الرواية اليوم على حماية كل من القرية
والمدينة
من شبح النفي والتلاشي والمسخ والاندثار، في أفق استعادة أصليهما المنشودين، فضلا عن مطارحة الخاتمة لأسئلة أخرى موازية، لها علاقة بالأبعاد الغائبة أو المتحولة في المتن الروائي المغربي، في استيحائه للقرية وللمدينة، ما جعل من خاتمة هذا البحث مكونا بحثيا تكميليا للمباحث السابقة، وجزءا لا يتجزأ من قضايا البحث عموما في تجليات فضاءي القرية
والمدينة
في الرواية المغربية، وليس فقط خاتمة لرصد بعض الاستنتاجات والخلاصات، انطلاقا من التحاليل السابقة.
وبذلك، يكون الباحث العلام قد تمكن، في هذا البحث، من الاقتراب أكثر من بعض جوانب انشغال الرواية المغربية بتمثل بعض الفضاءات المضيئة للتخييل الروائي فيها، والمنتجة لمزيد من الدلالات، بما هو تخييل جاء مطبوعا في عمومه بخاصية الحلم المصرح به أو المضمر في النص، باعتباره حلما بالصفاء وبأسطورة الأصل، سواء في قرى الروايات التي تناولناها أو في مدنها.
ومع ذلك، فقد بدا للعلام أن تفاعل الروائي المغربي مع القرية
والمدينة
، لم يفرز بعد، وبالشكل المرتجى، نصوصا روائية عن القرية
والمدينة
المغربيتين، في مستوى ما عرفته أو ما تعرفه بعض قرانا ومدننا، من تحولات وصراعات وتوترات وتشخيصات للمجتمع وللسلطة فيه، ومن ملاحقة لتفاصيل اليومي الضاج بالحركة والاختناق…
وإذا كان العلام قد توصل، على حد تعبيره، إلى أن هؤلاء الكتاب الذين أتى على تناول أعمالهم الروائية، قد راهنوا على إبراز وتشخيص عنصر “التحول” الذي طال الفضاءات القروية والحضرية، فاعتبارا لكون عنصر الزمن قد لعب فيها لعبته الخاصة، فهو الذي نقيس به مختلف توترات الذات الساردة وحالات الشخوص تجاه تحولات القرية
والمدينة
، باعتبارهما فضاءين وخطابين، كما نقيس عبره درجات إيقاع مختلف التحولات الطارئة في هذه القرية أو تلك، أو في هذه
المدينة
أو غيرها.
وقد بدا له أنه رغم التقاء هؤلاء الروائيين، وبشكل عام، عند حدود تطويع خاصية “التحول” التي طالت تلك الفضاءات، القروية والمدينية على حد سواء، وإن تم ذلك لدى كل واحد منهم بطريقته الخاصة، وبأسلوبه المختلف في التعبير والسرد والصياغة والرؤية، فإن القاسم المشترك في ما بينهم، والذي يضفي على عنصر التحول سمة الواقعية والحركية والحياة، يتمثل في كون صورتي القرية
والمدينة
في نصوصهم تتدثران بتلوينات واقعية وأسطورية وتاريخية وعجائبية وساخرة ونوستالجية، كما تجسدان نوعا من الالتباس الجميل القائم بين سؤالي القرية
والمدينة
وسؤال الكتابة الروائية، حيث إن القرية
والمدينة
، باعتبارهما فضاءين إشكاليين في مجموعة من الروايات، تتجاوزان حدود التخييل والحكي إلى الانخراط داخل أجواء من الخطابات الميتا- تخييلية التي يسندها الوعي النظري لكتابها، ومن هنا يستمد فضاءا القرية
والمدينة
في الرواية، خصوصيتهما من سؤال الكتابة، والعكس وارد أيضا.
كما وجد الباحث العلام، من خلال النصوص الروائية التي قام بتحليلها، أن قضايا القرية
والمدينة
المغربيتين متشابهة، بالنظر إلى كونها تتبأر حول أسئلة مكرورة، من قبيل سؤال التحول والتشويه والاختفاء والطبوغرافيا والتاريخ والوباء والجنون والنوستالجيا والمحكي السيري والأجيال والقلق والكتابة والفقدان والأوهام والموت والسلطة والأزمنة المنفلتة والفساد والخراب والأرض والهاجس السياسي والإيديولوجي، إلى جانب سؤال الكتابة أيضا، بما في ذلك سؤال العلاقة، الخفية أحيانا والمباشرة أحيانا أخرى، بين السارد والكاتب الضمني…
إلى جانب ذلك، تبدا للعلام في بحثه، أن القرى والمدن التي تفاعلت معها نصوص الرواية المغربية، في تشابه متخيلها العام وفي تشابه انتمائها الجغرافي والتاريخي والإنساني، تستلزم المزيد من التشخيص الموازي لها، في أفق اقتناص التحولات الطارئة وتشخيصها تخييليا، وأيضا في أفق ابتداع صور جديدة للفضاءات وللأزمنة، واستبطان أسئلة جديدة تخص الذات والكينونة والوجود، والتقاط مزيد من الدلالات الناجمة عن تحولات المجتمع القروي والمديني المغربي على حد سواء، سياسيا واجتماعيا وثقافيا، بعيدا عن أسئلة التحول الطبيعي والطبوغرافي والتاريخي والحضاري.
وقد تمكن الباحث من خلال دراسته للمتن الروائي المغربي، في مكوناته القروية والمدينية، من إدراك أهمية ما يمكن للقرية وللمدينة أن يقدماه، باعتبارهما فضاءين روائيين مهيمنين، للرواية العربية عموما، ولإدراكنا ووعينا نحن بالأمكنة، من إمكانات مهمة لاستعادة الدفء والطمأنينة إلى علاقتنا الذاتية والنفسية والوجدانية والوجودية بقرانا، وبمدننا، وبأمكنتنا المتلاشية، خاصة أمام ما يقض مضاجعنا من حروب وخراب وتخلف وشعور بالغربة عن الذات والعالم.
فضلا عن ذلك، تبين للباحث، من خلال النصوص الروائية التي تناولها، أنها قد تجاوزت نقاء المفهوم التقليدي لرواية القرية، في عوالمها وحكاياتها وتعقيداتها المتشابكة، في انفتاح الروايات التي تستوحي القرية على المراكز الحضرية، وعلى قضايا
المدينة
وقيمها الحديثة، ما يعني انتفاء القول بحدوث ثبات في شكل الروايات التي رصدت القرية، الأمر الذي يكشف عن مدى ديناميكية هذا الشكل الروائي وتغيره وتحوله، أمام نزعة التمدن التي اكتسحت بساطة القرى، وأمام تعقد الحياة وتشعبها في القرى المتحولة، بما يوازيها من تطور وسائل العيش والاتصال والمواصلات وتفاقم نزعة التحديث فيها، وتزايد ظاهرة الهجرة من القرى نحو المدن والخارج…
وهذا التصور المغاير في كتابة القرية
والمدينة
في نصوص الرواية المغربية، حسب العلام، هو من بين ما يحسب للرواية المغربية بشكل عام، وتحديدا على مستوى تفاعلها مع الفضاءين، القروي والمديني، من زاوية كونهما (أي القرية
والمدينة
) لم يستسلما قدريا لما فرض عليهما من أوضاع ومصائر، على اعتبار أنها قرى ومدن تراهن، في نهاية الأمر، على معانقة التحول والحركة، عزاؤها في ذلك مواجهتها لمشكلاتها ولتعثراتها عبر الحلم بإمكانية التغيير…
هي، إذن، رحلة شائقة وممتعة ومفيدة، عاشها الباحث متجولا داخل بعض القرى والمدن، استمتاعا وقراءة وبحثا وتحليلا وتأويلا، في تنوع تكونها وتشكلها التخييلي والسردي والرمزي والدلالي، بما يعنيه ذلك من ارتباط روحي ووجداني واجتماعي ونوستالجي بالقرية، كما أشار العلام في التقرير الذي تقدم بها أمام لجنة المناقشة، بمثل ارتباطه البعدي
بالمدينة
، بتأثيرها الموازي عليه أيضا، إنسانيا ومعرفيا ومهنيا، ما جعله أمام وفاء خاص، مشتهى ومركب، تجاه هذين الفضاءين، بما لهما من تأثير وإغراء وجاذبية وامتداد فيه، بمثل ما يمتدان هما أيضا، الواحد في الآخر.
المصدر : الاتحاد الاشتراكي



