توفي كارلوس فوينتس يوم 15 ماي 2012 عن سن الثالثة والثمانين. كانت « لير » إلتقته سنة 2009، وتكريما لذلك «
المكسيكي
الكوني»، نقترح ترجمة للحوار الذي كانت أجرته معه، وهو الحوار حيث تكلم الكاتب عن حب بلاده وعن فن الكتابة.
باعتباره من بين كبار المقدسين في الأدب الأمريكي اللاتيني، يظل كارلوس فوينتس بالتأكيد الكاتب
المكسيكي
الأكثر شهرة والأكثر مقروئية في العالم. من « وفاة أرتينيو كروز » إلى « ديانا أو الصياد الوحيد »، حيث يحكي علاقته المولعة بالممثلة جان سي بيرغ، يتضمن إنتاجه الطموح قرابة ثلاثين رواية، عشر دراسات، مجاميع قصصية ونصوص مسرحية. فكثيرا ما كانت شهرته مصدر فخر لمواطني بلده، وهو لا يتباهى بذلك ويواصل حمل الكلمة الأدبية الرفيعة، والسياسية أيضا، لأنه معني جدا بالوضعية الكارثية لبلده.
يستقبل الدبلوماسي السابق في بيته بمكسيكو بحفاوة – يقضي النصف الأخر من السنة في
لندن
-، وهو عبارة عن بيت متكتم، ليس مخبأ بحراس خاصين مدججين بالسلاح. يظل متميزا دائما، و مثقفا كبيرا ومتألقا. يبدو أكثر حميمية مما نتصوره، غريبا أيضا ولا يقاوم وهو يقلد ممثلي التيلي نوفيلا !
تسكن « المايسترو » في الغالب طاقة فريدة، الطاقة التي تروي كل واحدة من صفحات كتابه الجديد الصادر باللغة الفرنسية، « سعادة الأسر »، مجموعة من ست عشرة قصة مذهلة حول مكسيك الأمس ومكسيك اليوم، تنقطها أحداث تقطع المسار حيث العنف يصرخ بكل قوة. إنه عنف يحيل الكاتب، بلا شك، على ألأمه الخاصة، فقدان ابنيه: توفي ابنه الحامل لفيروس السيدا نتيجة عملية نقل للدم سنة 1999 وهو في الخامسة والعشرين؛ و توفيت ابنته ناتاشا في حي سيء السمعة بالعاصمة سنة 2005، وهي في التاسعة والعشرين وحبلى في شهرها السابع… إلا أن ذكراهما هي التي تجعل عملاق الأدب
المكسيكي
يظل صامدا، مستقيما.
o تسجل إحدى شخصيات « سعادة العائلات «: « انسل البلد من بين أصابعنا «. ما هي مسؤولية المثقفين في كل ذلك؟
n من السهل دائما إلقاء مسؤولية الخطأ على المثقفين، إرجاع مهمة إنقاذ البلاد إليهم. أما أنا فأرى في ذلك خطأ شنيعا. ففي نهاية المطاف، على المواطنين كلهم أن ينقذوا البلاد. توجد المواطنة على جميع المستويات، الاقتصادية، السياسية، الاجتماعية، الأسروية. كل واحد مكلف بمساعدة البلاد على أن تتجدد، كما يتقن الأمريكيون القيام بذلك. من المؤكد أنه ليس لهم ماض شبيه بماضي
المكسيك
. لقد قتلوا الهنود الحمر جميعهم، حولوا السود إلى عبيد. وها هم ينتخبون، اليوم، أسود للرئاسة.
o تنغمس النصوص المكونة ل « سعادة العائلات « في قلب المجتمع
المكسيكي
: هل تساعدك حكايات الأسر هذه في تركيب جغرافية شخصية للشرط الإنساني؟
n حتى داخل الأسر الأكثر سعادة، هناك دائما كبش أسود، هناك دائما شيء ما ليس على ما يرام. على هذه النقطة أصر من خلال قصصي. بخصوصية أنه بعد كل حكاية أسرة، يرتفع صوت كورال: إنه صوت من لا صوت لهم. حاولت منح هذا الصوت الجماعي لأولئك الذين يقولون: « نحن أيضا موجودون هنا «. فكرت في خلق صدى قويا جدا لصوت البؤس هذا، صوت العنف، صوت الاستياء والشكوى الدائمة، صوت أغلبية
المكسيكيين
.
o كيف تظل على اتصال بهذا الواقع؟ من أين لك بتلك الكلمات الفجة، اللغة الراهنة لتلك الكورالات؟
n بفضل الخيال أولا. أجني المعلومات من محيطي، من الناس الذين أستمع لهم وهم يتكلمون، إلا أن هذا يبدو لي ثانويا. لماذا أستعمل هذه الكلمات؟ أي مكانة تحتلها في الكتاب؟ ما هي وظيفتها؟ ليس ذلك مجانيا، ليس في الرواية أي شيء مجاني . ألتقط المعلومات، إلا أنني أصفيها في الوقت ذاته. أعرف ما الذي سأستخدمه وما الذي سأتركه. تكون لدي دائما معلومات أكثر بكثير من تلك أستخدمها في الكتاب. أستمع لسائق سيارة الأجرة وأقيس إلى أي حد تغير القاموس انطلاقا من « أكثر المناطق وضوحا «. قليلة هي كلمات شبابي التي تستخدم دائما. فأول رواية مكسيكية، نشرت سنة 1816، وهي تتطلب اليوم معجما حقيقيا ! إلا أنني أشتغل بحيث لا تكون هناك حاجة لمعجم لقراءة كتبي !
o هل تعتقد دائما أن الموضوع هو الذي يملي الأسلوب؟
n نعم. إني أبحث دائما عن أسلوب يلائم ما أقوله. لست « متزوجا « من أسلوب واحد. منذ « أكثر المناطق وضوحا «، أثير العديد من الطبقات الاجتماعية، العديد من طرق الكلام، العديد من المرجعيات الشديدة الاختلاف فيما بينها، ذلك ما يبدو لي مهما بالنسبة للمكسيك. في
فرنسا
، كان لكم ذلك « اللون « مع رابلي، إلا أن اللغة توحدت بعد ذلك وأعتقد أن ذلك خطأ. في
المكسيك
، هناك دائما تنوع كبير في طرق التعبير. في تلك الرواية العظيمة، « وهج وبؤس المحظيات»، أدرج بالزاك لغة السجن، من خلال شخصية فوترين، الملقب جاك كولين. بعد ظهور الرواية، غير السجناء اللغة، لأن بالزاك، كشفها بينما كانوا يرغبون في الإبقاء عليها سرية. أجد هذه الطرفة جميلة: يكشف الكاتب لغة، يجعلها معروفة، والناس الذين يستعملونها يغيرونها حتى لا يفهمها بقية الناس.
o كيف كان رد فعلك حين أثيرت، سنة 2011، فضيحة الوزير الذي أغضبه كون أستاذة تطلب من تلاميذها قراءة إحدى رواياتك، « أورا «.
n يرجع ذلك إلى الماضي، فالمسكين كارلوس أباسكال توفي مؤخرا، الرحمة عليه. في تلك الفترة، شكرته لأنه جعلني أبيع العديد من نسخ الرواية. كان وزيرا كاتوليكيا وقد ٍأى أن الرواية ليست متدينة إلى حد كبير، بدعوى أنني أصف فيها زوجا يمارس الجنس تحت صليب. لكننا في
المكسيك
نكاد نجد صليبا حيثما مررنا ! كل
المكسيكيين
يمارسون الجنس تحت المسيح المصلوب الذي يعتلي جدران جميع الغرف !
o هل أثرت وفاة ابنك كارلوس فوينتس، قبل عشر سنوات، ثم وفاة ابنتك في مجرى كتابتك؟
n كثيرا. إنني أكتب لأجل ابني المختفيين. حين أشرع في الكتابة، أشعر أنني أكتب لهما. ذلك ما يمنحني الشجاعة، ربما من دون ذلك كنت سأتوقف عن الكتابة. وأنا أكتب أحيا حياتهما، يمنحني ذلك قوة كبيرة. هما ما يشبه كاتبا يكتب معي بشكل مشترك. الألم حاضر دائما إلا أنه يغذي الإبداعية. الكتابة طريقة للتمرد على القدر وعلى النسيان.
عن « ليكسبريس «- 16 ماي 2012
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

