خلال شهر رمضان يزداد الإقبال على عدة مواد غذائية تدخل في إطار العادات الاستهلاكية للمغاربة من بينها العسل، حيث يرتفع استهلاكه 5 مرات مقارنة بباقي فترات السنة. ارتفاع الطلب لا توازيه بالضرورة وفرة العرض المنتج محليا. فالإنتاج الوطني يتأرجح حسب المواسم، لكنه لا يتجاوز في أفضل الأحوال 4500 طن. ما يضطر المغرب إلى اللجوء إلى الاستيراد لتغطية الخصاص الذي يبلغ أكثر من ثلث الحاجيات، رغم أن استهلاك الفرد لا يتجاوز 200 غرام سنويا.
عادات استهلاكية
عندما تحضر المرأة المغربية أشهى وصفاتها، فهي تحتاج اللوز والسمسم والجوز ومواد متنوعة أخرى من بينها العسل، الذي يصبح لا غنى عنه عند إعداد حلوى الشباكية، المقروط، بقلاوة، البريوات، سلو، أو أي حلويات مغربية أخرى. وبالتالي تعتمد كثير من النساء على العسل المصنع لثمنه المنخفض، في حين تفضل أخريات العسل الطبيعي لجودته و للذته وفوائده الصحية، حيث يستعمل أيضا في وصفات طبية تقليدية متوارثة عن الأجداد لشفاء نزلة برد أو زكام أو التهاب اللوزتين أو أي داء استعصى شفاؤه. لهذا الغرض تفضل أنواع خاصة كعسل الزعتر، الدغموس… يحتفظ بها بعناية، لكن عندما تنفد تستعين الأسرة المغربية بخدمات صديق أو جار أو بائع موثوق في ذمته. حيث يكفي التوجه إلى المحلات المتخصصة في بيع مختلف أنواع العسل في كل أسواق البلاد كسوق الأحد بأكدير، لتدرك حرص الزبائن على اقتناء أنواع خاصة من العسل الطبيعي لعلاج قريب عزيز تمكن منه المرض أو فقط الاحتفاظ به عند الضرورة. وهنا تصبح النصائح والإرشادات التي لا يبخل بها صاحب المحل ضرورية من اجل الاختيار الأفضل.
لكن انتشار باعة العسل في أماكن غير مراقبة في الأسواق الأسبوعية أو في جوانب الطرقات الوطنية حيث يستظل المنتجون الصغار في الجبال والبوادي بظل الأشجار في انتظار احد الزبائن، قد يدفع بعض المخادعين إلى الغش وتسويق منتجات مشبوهة وبيعها على أساس أنها عسل طبيعي.
إمكانات و عوائق
بالنظر للموقع الجغرافي للمغرب المطل على البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي و بامتداد جبال الأطلس الكبير والمتوسط والصغير، وسلسلة جبال الريف، وأيضا بتميز سهوله وصحرائه، يصنف المغرب من بين البلدان الأكثر تنوعا من الناحية البيئية. فالغطاء النباتي يقدر بأكثر من7000 نوع من النباتات المصنفة، عدد هام منها لا يوجد إلا في بلادنا. ما يوفر إمكانيات هائلة في مجال إنتاج العسل، توازي مرات عديدة الكمية المحققة حاليا، مما سيغطي الاكتفاء الذاتي ، بل سيمكن أيضا من التصدير باعتبار توفر بلادنا على أجود أنواع العسل في العالم.فأين توجد مكامن الخلل في هذا القطاع ؟
شكل التغير المناخي وتعاقب سنوات الجفاف، وأيضا انتشار بعض الطفيليات والفيروسات سببا رئيسيا في هلاك النحل، وبالتالي تراجع إنتاج العسل، لكن يبقى العامل البشري من بين أهم الأسباب. فاجتثاث الأشجار الغابوية من جهة وطرق الفلاحة الحديثة التي تستعمل المبيدات العشبية بشكل مفرط، أدى إلى تراجع أعداد النحل. فالأراضي التي كانت تشكل “مرعى ” بالنسبة للنحل إلى عهد قريب، تعرضت للاستنزاف وأصبحت ساحة لموته وانقراضه.
فالنباتات والأشجار المثمرة تتعرض لعمليات رش كثيف وبشكل منتظم للمبيدات الكيماوية ، ما يضعف الجهاز المناعي للنحلات الباحثة عن الرحيق و يفقدها القدرة على تحديد الاتجاه ، وبالتالي العجز عن العودة إلى الخلية ما يسبب لها الهلاك.
من هنا تأتي أهمية التوعية و التحسيس بخطورة المبيدات العشبية وأيضا المبيدات التي تستعمل لمكافحة الجراد ، مع ضرورة وضع مخطط من اجل تكوين وتأطير المشتغلين بقطاع تربية النحل من اجل تفادي أخطاء شائعة، أهمها كثافة خلايا النحل في بعض المناطق ما يسبب المنافسة الكبيرة على مساحات ضيقة، وبالتالي يؤدي إلى انخفاض إنتاج العسل.
مشكل أخر يتمثل في حالة خلايا النحل التقليدية المتهالكة ما يرفع نسبة الرطوبة وظهور فيروسات تتم معالجتها غالبا بطرق خاطئة، وهو ما يقوي مقاومتها ومناعتها عند أي معالجة لاحقة. الاستحواذ على الاحتياطي الاستراتيجي لخلية النحل عند جمع محصول العسل وتعويضه بشراب السكر يؤدي إلى ضعف النحل ما يدفع الملكة إلى تقليص وضع البيض مخافة تعرض قطيع النحل للمجاعة، ما يسبب تراجع أعداد النحل. هذه المعيقات تؤدي إلى تراجع الإنتاج الذي لا يتجاوز 3 كيلوغرامات لكل خلية سنويا بالنسبة للإنتاج التقليدي، في حين قد يصل الرقم إلى 20 كيلوغراما بالنسبة للقطاع العصري، لكنه رقم يبقى بعيدا بالمقارنة مع دول أخرى كالصين،
الهند
،
تركيا
والأرجنتين ،حيث يصل الرقم إلى أكثر من 50 كيلوغراما للخلية.
ضعف الإنتاج يوازيه أيضا ضعف التسويق، فأزيد من 50 في المائة من الإنتاج الوطني يسيطر عليها القطاع غير المهيكل، توزع بشكل عشوائي وبطرق لا تحترم المعايير والمواصفات، في حين يكافح القطاع العصري من اجل منافسة الاستيراد المفرط بسعر يقل بأكثر من 30 في المائة عن المنتج المحلي وبجودة مشكوك فيها، وأيضا من منافسة العسل المصنع الذي لا يتجاوز سعره 10 دراهم.
لتجاوز المعيقات
مع كل هذه المعيقات يجب توحيد الجهود من أجل إنقاذ و الرقي بقطاع تربية النحل، خصوصا وان الدين الإسلامي خص النحل والعسل باهتمام كبير عبر آيات قرآنية وأحاديث شريفة. مع العلم أن المغرب يتوفر على أقدم واكبر خلايا نحل جماعية في العالم في منطقة ” ايرزكي” المسماة أيضا تادارت أو كورام بجماعة أركانة البعيدة عن
أكادير
بحوالي 82 كلم. فعلى ارتفاع متوسط يصل إلى 980 مترا يوجد هذا الإرث التاريخي المغربي الأمازيغي الذي يربط الحاضر بالماضي. فالقبائل الأمازيغية بسوس مارست تربية النحل منذ القديم، واختيار موقع ايرزكي أملته عدة اعتبارات، كالمناخ الملائم ووفرة النباتات المزهرة والشمس الساطعة.
وهنا يأتي دور برنامج “المغرب الأخضر” عبر وضع خطة من اجل النهوض بهذا القطاع بتنسيق مع الفيدرالية البيمهنية المغربية لتربية النحل من خلال عقد برنامج وقع سنة 2011 يهدف، في أفق 2020 ، إلى إنتاج 16000 طن، لكن نتائجه لم تظهر بعد.
إن أي إقلاع يجب أن يتم بإشراك المنتجين الصغار عبر توحيدهم في جمعيات وإمدادهم بخلايا نحل عصرية و تأطيرهم وتكوينهم من اجل تفادى الممارسات الخاطئة. وكذا المصادقة على جودة العسل عبر علامات الجودة. ما قد يسمح للآلاف من الفلاحين الصغار بتحسين مدخولهم.
النهوض بالقطاع العصري وأيضا بالمنتجين الصغار، يتم أيضا عبر إشراك الفلاحين من خلال تحسيسهم بأهمية النحل بالنسبة للمزروعات وكذا بمخاطر الاستعمال المفرط للمبيدات العشبية. من الضروري كذلك الاهتمام بأنواع النحل المحلية، حيث يحتضن المغرب نوعين أصليين هما النحلة السوداء في الشمال والنحلة الصفراء الصحراوية في جبال الأطلس والجنوب، باعتبار أن هذين النوعين الأكثر ملاءمة للبيئة والمناخ المغربي، وأي أصناف دخيلة قد تضر بالإرث الجيني للأصناف المحلية وأيضا بالتوازنات البيئية.
أهمية وفوائد
ظهر النحل على وجه الأرض، حسب العلماء، منذ حوالي 140 مليون سنة، أي بالموازاة مع ظهور الأزهار، ومنذ ذلك الوقت وهما يشكلان تحالفا لا يمكن لأي منهما الاستغناء عنه. فالنحل يشكل حلقة أساسية في التنوع البيئي عبر تلقيح أكثر من 80 في المائة من النباتات المزهرة على وجه الأرض. وهنا تظهر جليا الأهمية القصوى للنحل في المجال الزراعي، فأكثر من 40 في المائة من حاجيات الإنسان من الخضر والفواكه مرتبطة بشكل وثيق بهذا الكائن الصغير الذي يقدم خدماته بشكل مجاني. بالإضافة إلى المساهمة في الإنتاج الزراعي، فالنحل ينتج العسل ولأجل هذا الغرض تجوب النحلة الباحثة عن الرحيق بين 1000 و 3000 زهرة يوميا، كما أن إنتاج 500 غرام من العسل يتطلب زيارة أكثر من 8 ملايين زهرة.
العسل مادة غذائية عالية القيمة ، فعلى عكس السكريات المصنعة والبسيطة مثل السكروز، لا يتخمر العسل في المعدة لأنه سريع الهضم، كما يحتوي على الفيتامينات والمواد المضادة للأكسدة، ومعروف أن مضادات الأكسدة لها دور كبير في الوقاية من السرطان ومنع تكاثر الخلايا السرطانية. العسل له أيضا خصائص المضادات الحيوية حيث أن له القدرة على قتل العديد من الميكروبات و الفيروسات والفطريات، كما يتفاعل مع خلايا في الجسم لإفراز مواد مطهرة تقلل من الالتهابات والسمنة، وفي تنظيم ضغط الدم.
إضافة إلى العسل، هناك منتجات أخرى لخلية النحل، كغداء الملكات وشمع النحل ومسحوق حبوب اللقاح وصمغ العسل… فلكل منها تأثير بالغ الأهمية بسبب مركباتها المميزة.
وحسب ألبرت اينشتاين: “إذا اختفت النحلة من سطح الأرض، لن يكون للإنسان سوى أربع سنوات لعيشها”.
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

