Close Menu
أرشيف الأخبار
    فيسبوك X (Twitter) الانستغرام
    فيسبوك X (Twitter) الانستغرام
    أرشيف الأخبار
    الاتصال بنا
    أرشيف الأخبار
    الرئيسية » شاعر ريلكه في مرايا رسائله (2)

    شاعر ريلكه في مرايا رسائله (2)

    بواسطة دابا ماروك14 مايو، 20165 دقائق
    فيسبوك تويتر بينتيريست لينكدإن Tumblr البريد الإلكتروني
    شاركها
    فيسبوك تويتر لينكدإن بينتيريست البريد الإلكتروني

    شاعِرُ ريلكه يأوي إلى نفسِه، ذلك هو الطريق الوحيدُ إلى غِناه “المَلكي”. غنى الشِّعر عَطاءُ وَحْدةٍ كبرى تينعُ في حضن الأشياء. في قلب الطبيعة. في حضن العالم. في تجربة الحياة اليومية. في حضن الطفولة بكنوزها المُستَعادة. في المسالك السرية، التي تّذوِّبُ “ساعات القلق”، جاعِلة الشاعرَ يَنذُرُ نفسَهُ للمصير الأعمق. مَصيرٌ يتعينُ على إنسان الفن أنْ يَضُمَّه ويَحْمِلَهُ ب “ثقله وعظمته”. به يحيا ويَصيرُ. ولِأجل الإيفاء بوُعوده، ذاتِ الغائية الداخلية، يَقرأُ شاعرُ ريلكه ما له اعتبار في النتاج الرمزي. يَعيشُ وقتا “في الكتب”. هي حياة أخرى مُتقاطِعةٌ لها شغفٌ كبير بالتعلُّم. بتحويلِ سَدى الكُتب المُنتقاة بعناية، إلى جُزءٍ مِنَ النسيج الداخلي للكينونة، فيختلط بتجارب الحياة الشخصية. هذه الكُتب المُنتقاة، لا تُسعِفُ شاعرَ ريلكه فحسب بنُسوغ التجربة الانسانية وفرادتها، بل تُعَلّمه أيضا شيئا عن “الطبيعة الخلاَّقة” و”قوانينها الأزلية”. وعبر هذا الطراز من العيش الشغوف بين الطبيعة والكتب، بين الكلمات والأشياء، بين الحِبر ودفق المياه، تنتسجُ تلك الكينونة الشعرية الخاصة، التي تؤكِّد أنَّ “الوحدة” ورشةُ عَمَلٍ ووُجودٍ آهلةٍ بوعودٍ لا تَبرحُ مكانَ الأعماق.

    الكتبُ مثل الطبيعة، شاعرُ ريلكه هو مَن يَعرفُ كيف يَستنشقُ عِطرها الخفيف والفاغم. عِطرُ لا تُفشي به إلا لِمَن استأنسَ بوحدته وتعوّدَ على قمَمِها الوعرة. كلُّ صعودٍ هو هبوط في أغوار السّر، حيث تتفتحُ العُطور المُحَوِّلة. الشهوة تينعُ في هذه الأمكنة، وتجعلُ اجتراحَ هبات الفن نظيرا كُفؤا لطاقة الإيروس ولذائذه. لجني هذه الثمار، يتعيَّن على شاعر ريلكه أن يحافظ على براءته. أن يبقى في شفافية العطر، فلا ينشغل كثيرا بالتركيبات “النظرية” المُفسٍّرة للجمال. شاعرُ ريلكه “مثقف” بالغ الحساسية، حتى أنه “يبقى في غفلة عن أفضل مَواهبه”. ما يتعيَّنُ عليه، بهذا الخصوص، هو صيانة “العُذرية”. هو الحرص على عيش التجربة وتذوُّقها أكثر مِن السَّعي إلى فَهمها وضبط تركيبة عناصرها. هذا الفراغُ المَنشودُ لا يَتعارضُ، عند شاعر ريلكه مِن العيش بكثافة. الفراغُ هنا مَشدودٌ تماما لِلآهِل بالشذى الطبيعي والرمزي، المُعتَّق في طيّات الأيام والوجود وفي الكتب. منهُ تبدأ الكتابة بطيئة، حريصة على ممارسة فعل الإيقاظ في كل ما حوْلها، دونما جلبة. فِعلٌ مُستعصٍ يأتي بالآلام التي على الشاعر مُباركتها لِلإيفاء بواجب تعلُّم، يَستلزمُه الشِّعر كضرورة قصوى. شاعر ريلكه يَنهض ب “ثقل” كينونته، حامِلا العَوزَ الكبيرَ الذي يَسِمُ أسئلته. هو يَعرِفُ أنَّ ما مِن شيءٍ “صغير”. وكلُّ حدثٍ مهما بدا نافلا، هو من العمق بحيث “يجري مثل مصير”. يُدرك شاعرُ ريلكه التعقيدَ الأصلي، فيهبِطُ عميقا في نفسه، آهِلا بِوَحْدَتِه، لِيشهَد على التفتُّح البَطيءِ لِلشذى، حيثُ يَعذُبُ الألمُ، ويَصيرُ عَوزُ السُّؤال انتشاءً ببداية المَعرفة. الجَسدُ في صميم هذه المعرفة، التي يَتحمّلُ وِزرَها الشعرُ بدأب وصَبر. العاشقان، عند ريلكه “يُوحِّدان إنسانيتَهُما” لِتحَمُّل عِبءَ الجسد. الشاعِرُ كذلك، يُوَحّدُ كُلَّ طاقته للهبوط عميقا في وحدةٍ، وَحدَهُ الفنُ يَجرؤُ على حَمْلِ أوزارِها. الشاعرُ له أيضا في تجربة الحُب ما يُسعفُ على النُضْج والتفتُّح بلا استعجال. ذلك، لأن كتابة الحُب محفوفة بوعورة التوقيع الشخصي، بالنظر إلى امتلائها بالأصداء والترجيعات، بل وحتى بالكلام المسكوك. شاعر ريلكه، يَنزل بِحبِّه إلى عُمق وَحْدَته، لِيتذوَّق بهْجاته الجَسدية والكيانية في صَمْتٍ تامٍ لِلأدلة. هناك، يَنعمُ بسعادة كِتابية تمنحُ التجربةَ المُحِبة شكْلها الخاص، الذي يَسعُ عالم “الكائن المحبوب”. الحُبُّ تجربةٌ مُرَسِّبة. في أديمِها تلتقي ينابيعٌ وأزمنة. شاعرُ ريلكه يَعيشُ تجربتُه المُوقظةُ على نحو شخصي، ولِحساب قصيدته التي تنمو في بُطءِ الدياجير والأقمار. لذلك، تَعدِلُ ولادةُ تجربةَ عِشقٍ في الشعر ولادةَ الرُّوح نفسِها. شاعرُ ريلكه يُدرك الأمرَ، فيؤجِّلُ مِثلَ هذه المُغامرة الكِتابية (الوجودية)، إلى حين نُضجِ التجربة ويَتعيّنُ خوضُها شِعريا بالضرورة. حينَها، تنحَلُّ الترسُّباتُ في جهدٍ شَخْصِيٍّ تمَّحي آثارُه البعيدةُ، بِفعْل اشتباكها بالجسد والروح وآلاف الليالي، التي سَكبتْ عتيقَ خَمرها في الجرار الداخلية للشاعر. إنَّ ما يَنهضُ مِن عُمق هذه الليالي الطويلة، حيث “تتعايشُ ألفُ ليلةٍ حُبٍ مَنسية” هو الذي يَقودُ شاعرَ ريلكه، في دياجير تجربة الكِتابة، نحو توقيعِ شَيءٍ خُصوصِيٍّ. توقيعٌ يَقولُ “سعاداتٍ مُمتَنِعة” نَهضَ بشهواتِها المُهَدهِدة عُشاقٌ “يَسُفُّون المُتعَ والمخاطر” لِمصلحة أغنية الشاعر الشخصية. إنَّ وَحدةَ الشاعر الطويلة، هي التي يَنسجُ مِن شرنقتها كينونته الشعرية المُحلِّقة، التي تخترق النسيجَ الشفاف لكل التجارب الحدودية. مِن مُطلَق إلى آخَر تمضي “مهنة الشاعر”. مِهنةٌ حُدودية خَلاصُها في توحُّدِ الشاعر مَعها. مِن هنا يَبدو كلُّ ما عَداها مِن “مِهن” مُعادٍ لِلفَرْدِ (سواءٌ تعلَّقَ الأمرُ بالجُندية أو بغيرِها). كيف يتخفَّفُ الشاعِر من هذا “الثقل”؟ إن القوانين الاجتماعية مُستعصية (قوانين الحياة والطبيعية كذلك)، لكنَّ شاعرَ ريلكه، إنسانَ “الوحدة الداخية الكبرى”، مَدعوٌّ إلى المُضي عَميقا في الانصات إلى باطنِه البعيد، لِيَمتَحِن نداءات الضرورة، الكفيلةِ وحْدها بحماية نبعِ الشِّعر. كلِمةُ الشاعِر حياتُه. فنُّه أرضُه الوحيدة. وكُلَّما تأتَّى له تنفُّسَ هواءٍ آخرَ غيرَه، انتفتِ الضرورةُ الوجوديةُ، وتحوّلَ الشعرُ إلى نشاطِ استرخاءِ واستعراض. يتعيَّنُ على الشاعر أنْ يَصونَ بداخله هذه الضرورة القصوى، المُحَرِّرة، القادِرة على تحطيم القيود ورفع الحواجز. لقاءُ الضرورة لقاءُ الحرية. تقاطُعُهما، يَجعَلُ شاعرَ ريلكه قادرا على النفخ في أرواح الكلمات وأجسادِها، ما يَمنحُ التجربة الباطنية كِيانَها الشعري، بوصفه وحدةً عُضوية وعملاُ في الإيقاظ. لا نهاية لهذا العمل، الذي يَبدأ من ضرورة تذوِّق الوُجود شعريا، ويستمر مُلازما لخطوات الشاعِر. وَحدةُ الشِّعْرِ مُستَعصيَّة لَكِنَّها كريمةٌ. الشاعِرُ يَتعهَّدُ كيانَه في أغوارها بالمَحبَّة. لذلك، فهي في العُمق وَحْدة آهِلة مُحِبَّة. شاعرُ ريلكه يُحِبًّ فيها التجلِّي المُعجِز للحياة والطبيعة والانسان. مِن عُمق هذا التجَلِّي، يَتحدَّدُ سُلوك الشاعر ويَرتسِمُ فضاءُ مَحبَّتِه الواسِعة. الشاعِرُ يَستمتعُ بسبقه، ومشيِه الدائم إلى الأمام. لكنه اِستمتاعٌ مُحْتَضِنٌ ولا تعالي في خطواته. الآخرون لا يُسايرون وَحْدةَ الشاعر، لكنَّ الشاعرَ يَستوعِبُ ارتياعَهم بحُبٍّ وطيبة وتسامُح. إنَّه يُحِبُّ فيهم “الحياة في شكل مغاير”. هذه المَحبة مُؤتمَنة على المآل الشعري للحياة على الأرض. مآلٌ يُخلِصُ له الشاعرُ، ويتَّجِهُ قُدُما نحو تجسيدِه مِن عُمق وَحْدتِه الكبيرة. ومَهْمَا كانتْ وُعورةُ هذا المآل، فشاعرُ ريلكه مَدعوٌ إلى الاستئناسِ بما يَكتنِفه مِن أهوال، في التحام تام بقوى الحَياة الحَيَّة، بِعُمق الإنسانِ، بمراتع الطفولة، بعناصر الطبيعة، بشيئية الأشياء، بشفافية الأحلام، بعكر الوساوس، باندفاعة الغريزة بأعماق الكائن الحي. رسائلُ ريلكه أكثرُ مِن “كَرم” تواصُلي مع شاعر ناشئ. وهي ليستْ خروجا مِن الغَور المُؤسِّس لِوُجود الشاعِر، بل انتزاعا لِحيِّز ذاتيٍّ يَرى ريلكه في مَراياه العميقة مِهنةَ الشاعر، تربيتَه الوُجودية والفنية، وما يَشرِطُها مِن وحْدةٍ داخلية كبرى، آهِلة ومُخيفة، بأعماقِها تَدْفَقُ ليالي الحُبِّ وتَرَسُّبات الطفولة واعتمالاتِ العناصِر، ووشوشات الحياة. بقلبِ هذه الوَحدة، بوَشائجها وتراسُلاتها المُتعدّدة والخصيبة، تينعُ تجربة باطنية بطيئة، واعدة بتفجراتها الشعرية الخلاقة. وأن يُدوِّن ريلكه واحِدة مِن سونيتات مُحاوِره (فرانز كرافر كابوس) بِخَطِّ يَدِهِ، ويُعيدُ بعثَها إليه “بكتابة أجنبية” عنهُ، هي اِحتضانُ لهذا الوَعْدِ، وإقامة في شرطه المؤسس للوجود والكينونة.

    المصدر: نبيل منصر نشر في الأحداث المغربية

    شارك هذا الموضوع:

    • شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
    • المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
    • المشاركة على WhatsApp (فتح في نافذة جديدة) WhatsApp
    • اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
    • المشاركة على LinkedIn (فتح في نافذة جديدة) LinkedIn
    • إرسال رابط بالبريد الإلكتروني إلى صديق (فتح في نافذة جديدة) البريد الإلكتروني

    مقالات ذات صلة

    أخبار
    شاركها. فيسبوك تويتر بينتيريست لينكدإن Tumblr البريد الإلكتروني
    دابا ماروك
    • موقع الويب

    المقالات ذات الصلة

    قانون المالية 2026.. الحكومة تقبل 72 تعديلا بمجلس المستشارين

    4 ديسمبر، 2025

    هذا موعد الافتتاح الرسمي لحديقة عين السبع بالدار البيضاء

    4 ديسمبر، 2025

    خط جوي جديد ومباشر يربط الدار البيضاء بلوس أنجلوس

    4 ديسمبر، 2025
    اترك تعليقاً إلغاء الرد

    توقيف شخص ذو سوابق جنائية يُشتبه في تورطه في سرقة عنيفة بالمغرب

    27 سبتمبر، 2026

    العلاوي.. إيقاع تقليدي وذاكرة حية تحتفل بها دبدو في مهرجانها العشرين

    27 سبتمبر، 2026

    دار الكابرانات – الحلقة 226: غار جبيلات.. أسطورة عظيمة تنهار في زمن الحقيقة

    27 سبتمبر، 2026

    مسرح رياض السلطان بطنجة ينطلق في أكتوبر بفعاليات فنية وثقافية مميزة

    27 سبتمبر، 2026

    غضب سكان الدراركة بأكادير بسبب تدهور البنية التحتية

    27 سبتمبر، 2026

    الاشتباه في التورط في الوساطة القضائية يُقود شخصًا من مراكش إلى العدالة

    27 سبتمبر، 2026

    المغرب يسعى لاستضافة دورة جديدة من مؤتمر الأمم المتحدة للعدالة الجنائية ومكافحة الجريمة في أبوظبي

    27 سبتمبر، 2026

    سعر الدجاج بالمغرب يتجاوز 22 درهماً للكيلوغرام: كيف انتقل من أزمة الانخفاض إلى موجة الغلاء؟

    27 سبتمبر، 2026

    انطلاق فعاليات مهرجان طنجة الدولي للموسيقى الأندلسية المغربية في عاصمة البوغاز

    27 سبتمبر، 2026

    أمن الحسيمة يُلقي القبض على مُتهم مُنحرف يُشتبه في استدراجه قاصرين لاعتداءات جنسية

    27 سبتمبر، 2026

    مريم التوزاني تبرز “زنقة مالقة” في مهرجان المرأة بسلا

    27 سبتمبر، 2026

    ندوة في الرباط تُشدد على أهمية حماية الغابات ومواجهتها للتحديات البيئية

    27 سبتمبر، 2026

    أمن بوزنيقة يوقف ليبي مطلوب دوليًا بتهم التهريب والاتجار في المخدرات

    27 سبتمبر، 2026

    كتاب جديد يكشف عن تحديات الكتب المدرسية في المدارس العمومية المغربية

    27 سبتمبر، 2026

    أزمة السردين المعلب في المغرب: اكتظاظ في الأسواق وصراعات وحدات الإنتاج لتأمين المواد الأولية

    27 سبتمبر، 2026

    جدل ساخن بين منتخبّي وسلان ومجلس جماعة مكناس حول أزمة النقل الحضري في مكناس

    27 سبتمبر، 2026

    مؤسسة الوسيط بالمغرب تتابع تغييرات العلاقة بين الإدارة والمواطنين

    27 سبتمبر، 2026

    مقعد برلماني بـ2800 دولار وآخر بدولار ونصف.. كواليس كلفة الحملة الانتخابية الرقمية في المغرب

    27 سبتمبر، 2026

    التوقعات الجوية ليوم الأحد: حرارة مع ضباب وأمطار رعدية في هذه المناطق المغربية

    27 سبتمبر، 2026

    مهرجان إسني ن ورغ يكرم هيلين إي هاغان تقديراً لمساهماتها القيمة في الثقافة الأمازيغية المغربية

    27 سبتمبر، 2026
    فيسبوك X (Twitter) الانستغرام بينتيريست
    © 2026 داباماروك .

    اكتب كلمة البحث ثم اضغط على زر Enter