يتذكر العربي سينما بوليو بهندستها الجميلة وسقفها العالي. تتوسط السقف “ضواية” آلية، تتحرك إيذانا بانطلاق الفرجة السينمائية. حين كان طفلا، يحصل على ثلاثة دراهم من الوالدين ويذهب صحبة أقرانه إلى هذه القاعة الوحيدة التي تحظى بشئ من الاحترام. إنها القاعة الوحيدة الموجودة في عين السبع. ويأتيها زوار من البرنوصي والحي المحمدي وروشنوار. بنيت في عهد الاستعمار وكان الفرنسيون يشرفون عليها. باصالح واحد من الذين عملوا فيها، قبل أن يتم اختياره في الجندية الفرنسية ليحارب اللاليمان، كما كان يحلوا له أن يناديهم. كنا نغادر السينما في وقت متأخر، غالبا ما كان العربي يفضل الذهاب إليها ليلا. لم يكن قطع المسافة بين سينما بوليو والحي الذي يسكنه العربي بالأمر الهين، ومرارا كان يقطع المسافة جريا، هربا من “لاراف”.

يخرج الشباب جماعات يقطعون جزءا من طريق الرباط ، وسميت هكذا لأنها الطريق القديمة المؤدية إلى العاصمة. بعدها تأتي رونو، وسميت هكذا، نظرا لتواجد شركة رونو بها. بعد رونو يبدأ المجهول. بين شركة البرتقال “بوكرش” والحي، مكان خلاء وظلمة. بالنسبة لسكان الحي غالبا ما يقطعونه دون مشاكل تذكر. أما “البراني” “هو وزهرو”. وسط هذه الظلمة يوجد ملعب الزويتنات، إشارة لشجرتي الزيتون اللتين توجدان في المكان. إنه ملعب الحي الذي شهد عصرا ذهبيا أيام كانت كرة القدم بألف خير. شكل إلى جانب ملعب كوزيمار وملعب الشابو، ثلاثي الملاعب التي نالت شهرة واسعة بمنطقة عين السبع والحي المحمدي. كان الملعب قبلة عين السبع. يومان من المتعة، السبت والأحد. فرق عديدة لعبت في هذا الملعب الذي عاصر لاعبين كبارا. بوآسى والغزواني والغرباوي والشخيش وعميران ومصطفى الكوشي وحمص. كانت المباريات التي تجمع بين المومنية بحارسها هرماش وفريق النجمة بحارسه الذي أصبح وزيرا يستغني عن راتبه؛ متعة حقيقية. غالبا ما تنتهي بحرب ضروس يتم الاستعانة فيها بأحجار السكة الحديدية، التي تفصل بين الحيين. مباريات وأسماء جذبت المتفرجين. ترى الملعب غاصا بالجمهور طيلة نهاية الأسبوع. حتى الطبيعة كانت متضامنة مع هذا الفضاء. خضرة ومراعي. ما أن ينتهي اللعب، حتى تتحول منطقة الجرادي إلى “دوشات” مفتوحة، أيام الصيف. المياه تجري في كل مكان. أيام مضت، كان للزمن والمكان سحرهما. أما ليلا فلم يكن الأمر سهلا على العابرين. كنا نحن الآتين من سينما بوليو، غالبا ما نحول طريقنا إلى سينما أخرى متخيلة، نستحضر ما شاهدناه من لقطات، للبطل أو “الولد”، الذي لم يكن سوى ترينيتا وصاحبه، أو بريسلي، شارل برونسون، أوشليحة. لا أعلم لماذا سمي كذلك وهو ممثل صيني يظهر في عدد من أفلام الكراطيه، وفي فترة متأخرة بدأت أيضا أفلام الهند تسيطر على متخيلنا، الشاعر، دوسطي، وآخرون. أطلقنا على ثنائي أفلام “الكراطي” والهندي “الطون والحرور” لما لهما من سحر على معدتنا الطفولية. سينما بوليو كانت فضاء آخر لممارسة شغبنا. والعربي واحد من الأطفال الذي يتسابقون على الأماكن الخلفية. وإذا ما كان الجيب يسمح ببعض الدراهم الاضافية، يأخذ له مكانا في البلكون. منظر آخر من الأبهة. باصالح يحكي عن هذه السينما وهو يتحسر على حالها اليوم، وكيف تقلب بها الزمان. “ايه الليام، منين شدوها المخاربة”. كانت هذه لازمة باصالح وهو يحكي عن سينما بوليو، التي كانت ماريوسة تشرف عليها. مرات عديدة طردت العديد من الناس لكونهم غير نظيفين. النظافة والسينما يلزمان بعضهما البعض في نظر ماريوسة. قبل أن تدور الأيام و يشتريها الحاج، “الزهو والطاسة”. رجل دائم الأناقة. غير أنه لم يكن يهتم بأمور السينما، بحسب باصالح. تدهورت بها الأيام حتى أغلقت أبوابها وأصبحت الآن محلا “للغولفازير” ومرتعا للحشاشين. *من محكيات نظارات الخائن

المصدر: محمد مسعاد نشر في الأحداث المغربية

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version