Close Menu
أرشيف الأخبار
    فيسبوك X (Twitter) الانستغرام
    فيسبوك X (Twitter) الانستغرام
    أرشيف الأخبار
    الاتصال بنا
    أرشيف الأخبار
    الرئيسية » قطرة دم

    قطرة دم

    بواسطة دابا ماروك22 أبريل، 20164 دقائق
    فيسبوك تويتر بينتيريست لينكدإن Tumblr البريد الإلكتروني
    شاركها
    فيسبوك تويتر لينكدإن بينتيريست البريد الإلكتروني

    « الحب كالحصبة لابد أن تصيبنا مرة واحدة على الأقل، وكلما أصابتنا في سنّ متأخرة كانت أقسى»

    أنيس منصور
    جَلُّول جنديٌّ متقاعدٌ في عقدهِ السّادس، لا يُعمِّرُ سوى المقهى المُطّلَّة على الشّارعِ المُؤدّي للثّانوية. العلكةُ لَا تُفارقُ فَمَهُ الفارغَ منَ الأسنانِ. نَابانِ يُؤثّثان ظُلمته المخيفة. يسترُ جسدَهُ المجعّدَ داخلَ معطفٍ كستنائيّ بالٍ، إرثُ الثّكنات. لجلّول هواية مَلْءِ الشّبكاتِ المسهّمةِ، يُمارسها كلَّ يومٍ داخلَ المقهى، مِن علَى كُرسيٍّ ومائدةٍ مركونينِ في الطّابقِ العلويّ. لا أحدَ يتجرّأ أو حتّى يفكّرُ في الجلوسِ فيهما، صارا محجوزينِ عَلى الدّوامِ وكأنّهُ نَقَشَ حُروفَ اسْمهِ عَليهمَا. جلّول لا يشتري الشّبكةَ بخمسينَ سنتيما كما يفعلُ بعضُ المهووسينَ بها. هو يستغلُّ جرائدَ المقهى، يُقلّبُ الصّفحاتِ تلو الصّفحاتِ بحثًا عن الشّبكةِ. كلُّ جريدةٍ لا تتوفّرُ بينَ طيّاتها على شبكةٍ هي جريدة مملّة في نظره.
    جلّول لا يزيلُ البيرية عن رأسهِ الأقرع، لكنّهُ لا يتكلّمُ في السياسةِ ولا في الثّقافة. لا يحضرُ جمعًا ولا ينشطُ في جمعيةٍ ولا يتابعُ مبارياتِ كرة القدم. لا يلعبُ ضامة التِي يدمنُ عليها المتقاعدونَ أمثالُه. لكنّهُ يحبُّ أن يتطلّعَ عَلى بناتِ الليسّي وهنَّ مارّاتٍ من أمامِ المقهى. لا يرفرفُ له جفنٌ عندما يقعُ بصرهُ على شابّةٍ جميلةٍ أو ليستْ جميلةً، المهمُّ أنّ رشاقتها مثيرة وتُحرّك الجماد. هادئ جدا، لا يتكلّم كثيرا، انطوائيّ إن شئنا، يحبّ الإنصاتَ إلى ذاتهِ. يبدو لي عندما أراهُ صامتًا شاردًا كمفكّرٍ عبقريٍّ يتأمّلُ في مسألةٍ تخصُّ واقعَ الأمّة.
    جلّولُ يجهلُ أصلهُ وفصلهُ، نشأَ وترعرعَ في خيريةٍ لليتامى. عندما بدأَ يعِي غيابَ الوالدينِ، أَفْهموهُ أنّ أمَّهُ تركَتْهُ رضيعًا بعدمَا تملّصَ الأبُ منْ مسؤوليَّتِهِ وأنكرَ فَعلَتَهُ وهربَ إلى المجهولِ. جلّولُ صارَ ناقمًا على النّساءِ وعلى كلِّ علاقةٍ تفرّخُ نماذجَ تُشْبِهُهُ. كانَ ينظرُ لكلِّ النّساءِ بعدمِ الرِّضا، بعينٍ تُخبّئُ صُورًا وَمشاهدَ ليستْ جيدةً عنهنّ. طوى خمسينَ سنةً منْ عُمرهِ أعزبَ. اليوم وقدْ صارَ شعرُهُ أبيضَ اللونِ ومالَ إلى الشّيخوخةِ، يقعُ في حبِّ فتاةٍ ثَلاثينية العمر، تعملُ في المقهى الّتي يداومُ على الجلوسِ فيهَا. اِسمها حكيمة ويحبُّ أنْ يُدلّعها ب: حَكُّو.
    حَكّو وحيدة والديها العجوزينِ ومُعيلَتهُما. ليستْ جميلةً ولا قبيحةً. يتقبّلُها الرّائي دونَ جُهدٍ. دَرَسَتْ حتَّى نالتِ الشّهادةَ الابتدائيةَ لتبدأَ رحلةَ العملِ مبكّرا كخادمةٍ في البيوت، فعاملة في الضّيعاتِ الفلاحية، إلى أنْ استقرّ بها الحال في هذه المقهى. حكّو تحلمُ أيضا كباقي البناتِ في سنّها أنْ تتزوّجَ وتلدَ أطفالًا تُربّيهم بحبّ. كان قدرُها جلّول الذي أحبّها والذي قَبِلَتْ به دونَ شَرطٍ سوى العيشِ معها في بيتِ والدَيْهَا حتى تستطيعَ رعايَتَهُما. لم يكنْ يملكُ منزلا قارّا، لذا قبلَ الأمرَ دونَ معارضةٍ تُذكَرُ. كما أنّهُ تفطّنَ لِتَأخّرِهِ الكبيرِ في سترِ نفسهِ بوشاحِ امرأةٍ تُزيّنُ حياتَه الباقية. هي أيضا لم تكن الفتاةُ المدلّلةُ لتطلبَ أشياء غير ممكنةٍ. ها هو جَلُّول وحَكُّو تحتَ سقفٍ واحد، في فراشٍ واحدٍ، يريدانِ أنْ يضربَا ركلةَ البدايةِ لحياتهِما
    الجديدةِ
    . لمْ تُغنِّ الأمُّ الأغنيةَ الشّهيرةَ: «الصباح صباح ماليه، الملحة والستر عليه». ليسَ لإدراكها أنّ هذا الفعلَ شنيعٌ لا يليقُ بنَا في هذا الزّمانِ. بل لأنّ جلّولَ لم يجدْ دمًا أحمرَ فاقعًا تقرّ بهِ عينهُ وعين حماتِه. حكّو أخطأتْ كثيرًا عندما اعتقدتْ أنّ جلّول قد كبرَ على أن يهتمَّ لقطراتِ دَم.
    كانتْ على علاقَةٍ معَ شابٍّ يصغرُها سنّا، أحبَّتْه المسكينة وصوّرَ لها الحبَّ في أبهى حُلَلِه. كانَ كَسرابٍ أَتى فقط ليَسرِقَ منها ما صانَتْه عشرينَ سنةً ويَرحل. لمْ تقُل لجلّول شيئًا عن الأمر، وهو جنديٌّ يقبلُ كلَّ شيءٍ إلّا أنْ يُلعبَ به وتُهانَ كرامتُه. لم يتقبّل فعلتَها اللئيمةَ وكانَ ذاك اليوم هو الأول والأخير بينهما. جلّول الذي لمْ يضعْ يوما عقِبا بينَ شَفَتَيْهِ، ولمْ يَرْشُفْ جرعةَ خَمرٍ. صارَ اليومَ سِكّيرا ومُدمنا على السّيجارة. تسكّعَ كثيرًا في قبائل بني عمير قبلَ أنْ يجمعَ شتاتَهُ الصّغيرَ ويَرْحَل. رحلَ ليبحثَ عنْ نقطةِ ضوءٍ في قدَرِهِ الذي لمْ يحملْ له سوى السّيئ المُنتقى بامتياز. أمّا حكّو فلمْ تَعدْ إلى المقهى، اختارتْ طريقا آخرَ قد يكونُ مربحًا لها. بدأتْ تركبُ السيّاراتِ والدّرّاجاتِ النّاريةَ التي تأخذها إلى المجهول. زبونٌ أو زبونانِ في اليومِ أحسن لها من العملِ في تلكَ المقهى اللعينة التي تتعرّضُ فيها للتّحرّشِ كلّ يومٍ دون جدوى. حكّو لم تكتفِ بِبَيعِ جَسَدِهَا الذي بدأَ يذبلُ ويَقِلُّ الطّلبُ عليه، بل صارتْ تديرُ شبكةً للدعارة (باترونا)، تستقطبُ القاصراتِ وتتاجرُ بأجسادهنَّ الفتية. أصبحتْ شهيرة بالبرشيدية، لأنّها برشيديةَ المولد. قَدَرُها منْ قادها للعيشِ في بني عمير. زبائنُها من كلّ الطبقاتِ و الأجيالِ والحساسيات. الشّرطةُ لمْ تستطعْ أن تُمسكَ بها وتفكّكَ شبكتها المنسوجةَ بقوة. كانتْ كأخطبوط لها أيادٍ في كلّ مكانٍ، وفي كلّ موقعٍ ومركز.
    لكثرةِ الرّجالِ الذينَ عرفتْ حكّو ومارست معهم الجنس المحرّم، أُصيبَ جسدُها بالسيدا، وتفاقم الوضع عندما أكل السّرطان بدنها. صارت نحيفة ذابلة. تَساقط شَعرها الكثيف بقوة. لمْ تتقبَّل أنْ تصيرَ صلعاءَ من دونَ شَعرٍ يبعثُ شيئا من الجمال على ملمحها الفقير. جُنّ عقلها تماما وخَرجت يوما عاريةً كما ولدتها أمّها. أُخِذت إلى مستشفى الأمراض العقلية ببرشيد. هناك كانَ اللقاء الحميميّ مع عاشقها جلّول. هو الآخر جُنَّ لأنّه تزوّج مرّة ثانية ولم يجد قطرة دم.

    المصدر : الاتحاد الاشتراكي

    شارك هذا الموضوع:

    • شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
    • المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
    • المشاركة على WhatsApp (فتح في نافذة جديدة) WhatsApp
    • اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
    • المشاركة على LinkedIn (فتح في نافذة جديدة) LinkedIn
    • إرسال رابط بالبريد الإلكتروني إلى صديق (فتح في نافذة جديدة) البريد الإلكتروني

    مقالات ذات صلة

    أخبار انطوائي جلول حب مقهى نساء
    شاركها. فيسبوك تويتر بينتيريست لينكدإن Tumblr البريد الإلكتروني
    دابا ماروك
    • موقع الويب

    المقالات ذات الصلة

    قانون المالية 2026.. الحكومة تقبل 72 تعديلا بمجلس المستشارين

    4 ديسمبر، 2025

    هذا موعد الافتتاح الرسمي لحديقة عين السبع بالدار البيضاء

    4 ديسمبر، 2025

    خط جوي جديد ومباشر يربط الدار البيضاء بلوس أنجلوس

    4 ديسمبر، 2025
    اترك تعليقاً إلغاء الرد

    تفكيك عصابة لتهريب “الماحيا” والمواد المخدرة بشيشاوة

    13 أكتوبر، 2026

    طبيب يكشف عن أسباب وأعراض اكتئاب الخريف والشتاء وطرق فعّالة لمواجهته في المغرب

    13 أكتوبر، 2026

    الجيش الجزائري: سبع سنوات من الصراعات تحت حكم تبون وشنقريحة.. هل انتهى زمن القوة الأمنية؟

    13 أكتوبر، 2026

    بعد غياب طويل عن رمضان 2026.. عودة «خو خواتاتو» بجزء جديد ومثير!

    13 أكتوبر، 2026

    توسيع صناعة المروحيات في المغرب بإطلاق المصنع الثالث لشركة «إيرباص» العالمية

    13 أكتوبر، 2026

    طقس الثلاثاء: سماء غائمة فوق جبال الأطلس مع بعض الأمطار المتفرقة

    13 أكتوبر، 2026

    تحذير الفيضانات في المغرب: انطلاقة جديدة ضمن المنتدى العربي الثاني لنظم الإنذار المبكر من الكوارث

    13 أكتوبر، 2026

    المعهد الوطني للبحث الزراعي والشراكة مع الرابطة الأمريكية للفلاحة: آفاق جديدة للتعاون في البحث الزراعي بالمغرب

    13 أكتوبر، 2026

    أباسكال وبارديلا يزوران سبتة للدفاع عن أوروبا من صميم إفريقيا

    13 أكتوبر، 2026

    أمن سلا يعتقل شخصين بحوزتهما شيرا وأقراص مهلوسة في عملية نوعية

    13 أكتوبر، 2026

    اعتقال عناصر انفصالية بالرباط بعد أحداث فوضوية تهدد السيادة الوطنية

    13 أكتوبر، 2026

    اختفاء حقائب جديدة يؤجل استجواب الليموري في المغرب

    13 أكتوبر، 2026

    رسمياً.. المنصوري تكشف عن الأحزاب المتحالفة في الحكومة وتحدد الشروط للاستوزار

    12 أكتوبر، 2026

    ولي العهد الأمير مولاي الحسن يفتتح النسخة السابعة عشر لمعرض الفرس بالجديدة

    12 أكتوبر، 2026

    ريشة كدار: استوديو الكابرانات.. سيناريو مفبرك وإنتاج مكشوف للمغاربة

    12 أكتوبر، 2026

    عمار بلاني.. زلزال لغوي لوزير حنقته طموحاته

    12 أكتوبر، 2026

    تعليم الفتيات: «اليونسكو» تكرم المشروع المغربي «مشروع سوار» بجائزتها السنوية

    12 أكتوبر، 2026

    ريشة عينوش: لعنة المرادية.. الهروب الضخم من قصر تبون!

    12 أكتوبر، 2026

    بتعبئة تتجاوز 83%.. سد «الأمير مولاي عبد الله» بأكادير يخضع لاختبارات تفريغ استباقية لضمان سلامته

    12 أكتوبر، 2026

    المنصوري على موعد مع إعلان التحالف الحكومي هذا المساء في المغرب

    12 أكتوبر، 2026
    فيسبوك X (Twitter) الانستغرام بينتيريست
    © 2026 داباماروك .

    اكتب كلمة البحث ثم اضغط على زر Enter