ألقت
موسكو
ورقة جديدة في الملف السوري بإعلانها عدم معارضتها إقامة دولة فيديرالية، الأمر الذي يمكن أن يزيد قلق
تركيا
من تداعيات التدخل العسكري الروسي، وسط تحذير المعارضة من احتمال «إلغاء كامل» للهدنة في يومها الثالث.
نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف قال في مؤتمر صحافي في
موسكو
الإثنين الماضي أنه إذا توصل السوريون خلال المفاوضات إلى «أن نظام الدولة في المستقبل الذي يعتمد النموذج (الاتحادي) سيخدم مهمة الحفاظ على
سوريا
موحدة وعلمانية ومستقلة وذات سيادة، فمن سيعترض على ذلك حينها؟».
وأضاف ريابكوف إن
موسكو
لن تعترض أيضا على «أي نموذج آخر
لسوريا
شريطة ألا يكون من إملاء شخص على بعد ألف كيلومتر من
سوريا»
.
وكان الرئيس السوري بشار الأسد لم يستبعد في تصريحات صحافية فكرة النظام الاتحادي. ويعني اعتماد النظام الفيديرالي في
سوريا
، تعزيز موقع الأكراد الذين أقاموا ثلاث إدارات محلية في الجزيرة وعين العرب (كوباني) شرقا وعفرين شمالا، ما يعزز من مخاوف
تركيا
من قيام «كردستان سوري» قرب حدودها علما أن هذه الإدارات فتحت مكتب تمثيل في
موسكو
الحديث الروسي عن خيار «الجمهورية الفدرالية» في
سوريا
، سيثير الكثير من التساؤلات الحائرة عن مضمون هذا الخيار ومغزاه وتوقيته، وهل كلام نائب وزير الخارجية الروسي كان مجرد تحليل شخصي، أم أنه رسالة مقصودة أطلقت الآن في المرحلة الفاصلة ما بين بداية الهدنة، واستئناف المفاوضات السورية في السابع من مارس الحالي؟
ومن شأن هذه الرؤية الروسية التي جاءت في سياق اقتراح ، أن تثير حيرة كثيرين عما اذا كانت مرتطبة بالكلام الأميركي المتكرر حول «الخطة باء» في حال فشل التسوية السياسية الحالية، والتي سارع السعوديون وحتى الأتراك الى تبنيها، ام أنها محاولة من نائب وزير الخارجية الروسي الى فتح الأبواب أمام الاقتراحات الممكنة للنقاش ، ما دامت الاطراف السورية دخلت مرحلة التفاوض ؟
ويمكن لكثيرين القول إن الفكرة الروسية ليست أكثر من محاولة من
موسكو
لإثارة الخصم التركي الذي هدد مرارا بأنه لن يسمح للشريط الكردي بأن يمتد أمامه في الشمال السوري.
واذا كان من السابق لأوانه الاستنتاج ما إذا كان نائب سيرغي لافروف، يتحدث هنا عن «فيدرالية سورية» على أسس عرقية وطائفية، ام عن «فيدرالية» إدارية. إلا انه كان واضحا عندما أشار الى ان أحدا لا يتوقع تطور الأحداث السورية الى «سيناريو كوسوفو»، وهو موقف يعني بوضوح استبعاده التفكيك الدولي الذي لحق بجمهورية يوغوسلافيا في تسعينيات القرن الماضي. كما انه من الضروري الاشارة الى ان المسؤول الروسي تناول الفكرة في سياق حديث أشار فيه ايضا الى ان المفاوضين السوريين قد يعتمدون «نموذجا آخر.. ولن تكون تلك قضيتنا».
ومهما يكن، فإن مجرد رمي فكرة «الجمهورية الفدرالية» وفي هذا التوقيت السوري، والاقليمي، والكل يرى ما جرى ويجري في
العراق
، يثير الكثير من الهواجس لا في
سوريا
وحدها، وانما في
لبنان
والاردن
والعراق
وغيرها.
وفي كل الأحوال، لا بد من انتظار مسارات التفاوض السورية وفق الروزنامة التي تبناها الروس والاميركيون ووافقت عليها
دمشق
في
«جنيف
3». كما انه من الضروري الالتفات الى المواقف التي قد تصدر عن
دمشق
تعليقا على الكلام الروسي، لاسيما ان العديد من المراقبين رصدوا مؤخرا إشارات تباين سياسي حول مستقبل الخيارات السياسية للأزمة السورية.
كما أنه من الضروري الانتباه ايضا الى المواقف التي قد تصدر عن
عواصم
اخرى كطهران وأنقرة والسعودية بشأن فكرة «الفيدرالية»، والالتفات الى الاشارات التركية التي قد تصدر للتعبير عن ضيق الخيارات أمام اردوغان بعد الاقتحام الروسي والاميركي للمشهد السوري .
وكان وزير الخارجية الاميركي جون كيري قد تحدث مؤخرا عن احتمال الوصول الى مرحلة تلاشي امكانية بقاء
سوريا
كدولة موحدة، ثم تناول بعدها الكلام عن «الخطة باء» خلال الشهور المقبلة اذا لم تثمر العملية السياسية، من دون ان يشير الى طبيعتها. ثم عادت الخارجية الاميركية لتقول ان الخطة التي اشار اليها كيري لا تتعلق بخيار العمل العسكري البري الذي كثر الحديث عنه وقتها من جانب السعوديين والأتراك، بل ترتبط بخطوات وضغوط ديبلوماسية. ثم عادت الخارجية الاميركية لتوضح ان الحديث عن خطة بديلة في
سوريا
في بدايته ولم يجر التوصل إلى قرار نهائي بشأن تفاصيلها.
وفي كل الأحوال، ليس واضحا ما اذا كان هناك ارتباط بين ما يسمى «الخطة باء» والكلام الروسي عن «الفيدرالية». وهناك بالتأكيد من سيربط بين الامرين، خصوصا ان الطرفين الاميركي والروسي أظهرا قدرا عاليا من التفاهم والتواصل في انخراطهما في التعامل مع ملف الحرب السورية خلال الشهور الاخيرة، اكبر بكثير مما كان يتصوره المتفائلون.
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

