اختار المجلس الوطني لحقوق الإنسان موضوعة هذه السنة في المعرض الدولي للكتاب بالدار
البيضاء
بين 12 و 21 فبراير الجاري، وهي موضوعة الإعاقة في المغرب. ما فتئ تهميشها في السياسة و الاجتماع، ماذا يعني هذا القول؟
صحيح أن تأسيس هذه المؤسسة الحقوقية رسميا أتى وفق انفتاح الدولة على المستقبل وتصالحها مع التاريخ، ولأن الإعاقة تفترض مقاربة حقوقية، وليس مقاربة إحسانية ترمي إلى الشفقة وجاراتها، ولأن المغرب الرسمي في بلاغته العامة وضع الإنسان، أو بالأحرى موارده البشرية موضوع اهتمام بالغ، فإن المجلس الوطني لحقوق الإنسان دأب منذ تأسيسه إلى التركيز على موضوعة حقوقية معينة. هذه السنة اختار موضوعة الإعاقة بتنوعاتها المختلفة، وجعلها سؤالا حقوقيا وثقافيا بالمغرب الراهن. لقد نجح في ذلك من خلال المنطلقات التالية:
أولا: في هندسته الجميلة للفضاء الذي يتحرك فيه المعاق بسهولة، وهي هندسة تعطي للمكان ألفة. ليس فقط فيما يسمى بالولوجيات، و إنما في تأثيثه جماليا، لذلك استقطب الزوار بشكل لافت.
ثانيا: شكل هذا الفضاء في أيامه لقاءات متنوعة، حيث النقاش الديمقراطي حول موضوعات متعددة مرتبطة بالإعاقة، ففي اليوم الواحد يؤثث المنظمون ثماني ندوات في اليوم الواحد، بين شهادات واحتفالات تكريمية ببعض المعاقين ( رشيد الصباحي،عدنان الجزولي مثلا)، وندوات يختلف موضوعها بين جلسة وأخرى، ومن منطلقات نظر مختلفة إبداعية ( أدب، رسم، تصوير، غناء، فن…)، وسياسة، وحقوقية، وطبية وسوسيولوجية، كان من الصعب متابعة كل هذه اللقاءات المسطرة بدقة فائقة.
ثالثا: لقد مكنني هذا الفضاء من إعادة الذاكرة إلى الزمن الجميل، الذي تعودنا تسميته بزمن الرصاص، ليس من حيث التقائي ببعض المعتقلين السياسيين السابقين، ولا حتى بعودة إلى نشيد المرحلة، وإنما في النشاط، وحيوية هذا الفضاء، وكأنه يعيدك إلى البهو الجامعي أيام زمان. ثمة أناس يسيرون جيئة و ذهابا، ينظمون الجلسة تارة، ويستقبلون المدعوين و الزوار تارة أخرى بنضالية عز نظيرها في المؤقت المغربي. سأذكر بعض الأسماء التي رافقتني في بعض المرات. أذكر بشرى العمراني وعبد الحميد، وأمينة، وحافظ، ويونس… هؤلاء وغيرهم أعطوا الإعاقة المعنى مستثمرين نضالهم الحقوقي في ذلك.
إن انخراط المجلس الوطني في هندسة موضوعة وفضاءه يفترض أسئلة من قبيل هل سيتم نسيانها أو وضعها في الأرشيف؟ أم، هل سيضع هذه الموضوعة ضمن أفقه الإستراتيجي؟ سؤالان متباعدان ومتقابلان. كل واحد يسير في طريق، لكن حكمة الإخوة المشرفين عليه تعطيني اليقين، بأن هذه الموضوعة، سيتم البحث فيها واقتراح ولوجيات جديدة كشكل من أشكال المصالحة مع هذه الفئة المهمشة. إن وضعه لها، ومساءلته واشتراك المعنيين بالأمر في الحوار المثمر حولها. كل ذلك يجعل المجلس وفق مهامه المحددة سلفا النظر إليها استراتيجيا، و هو مطلب ما فتئت النضال من أجله. إنه الهدف الذي نتوخاه. ما دامت المقاربة الحقوقية لتلك الموضوعة هي الأجدر بذلك.
لا مراء إذن القول إن المجلس الوطني نجح في ذلك، أي في وضع الأصبع على فئة اجتماعية و إنسانية متروكة للضياع في هشاشة مركبة، ولأن الأمر كذلك كان علينا متابعة تفاصيل جلسات هذا الرواق، ليس في المتابعة الصحفية العادية، وإنما في إيقاظ أسئلة الإعاقة عبر فتح الأبواب المغلقة عليها. بمعنى آخر دمقرطة الفضاءات العمومية. وهذا لا يتأتى إلا بتربية حواس العموم، أو على الأقل إعادة تربيتها كي يكون فعل الذي تقوم به ذو معنى. لا يتعلق الأمر بقلب تلك الفضاءات، وهندستها من جديد، وإنما في أجرة القوانين المعمول بها دوليا، وبالمحصلة هو الفعل الذي يعيد الثقة في الدولة والمجتمع معا.
إن كتابة هذه الورقة – بهذه السرعة – تروم الشهادة، حتى لا ننسى، ولأن النسيان تذكر.فإننا حاولنا باقتصاد شديد الوقوف على أهم اللحظات التي عشتها شخصيا داخل الرواق، وخاصة في مقصفه الخاص بالضيوف. ثمة إشارات تنتظرني في المكتب لأكتبها. إشارات تتبخر في صداع زوار المعرض الدولي للكتاب بالدار
البيضاء
. صحيح أنني لم أحضر أي لقاء ثقافي في هذا المعرض بالنسبة لي هو اقتناء ما أرغب في قراءته. لأول مرة أحضر في رواق المجلس الوطني لحقوق الإنسان، لأترك هذا جانبا عساني أنسى ما ذكرته، وأرتق ما تبقى في مقال آخر.
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

