لبى نداء ربه، يوم السبت 30 يناير 2016، الوطني الغيور والمقاوم الفذ، والمواطن الصبور، المرحوم أحمد بن قليلو، مخلفا وراءه حصيلة زاخرة من النضال ملؤها الوفاء الدائم لقضايا وطنه والبذل اللامحدود من جيل نهضته ورفعته وعزته والمثابرة الدائمة المستميتة على نهج الوطنية التقدمية الصادقة.
-1 أما الوفاء لقضايا الأمة والوطن فقد جسده الراحل، في أسطع صوره ، عندما التحق ، وهو لا يزال في ريعان شبابه، ركب المقاومة المسلحة غداة إقدام سلطات «الحماية» على نفي السلطان محمد بن يوسف في 20 غشت 1953.
فقد بادر الراحل بمعية ثلة من رفاقه الشباب وهو في سن الثانية والعشرين إلى تأسيس خلايا المقاومة والفداء لمواجهة سلطات «الحماية» وأزلامها من الخونة إيمانا منه بأن مواجهة العنف الاستعماري الذي بلغ أشده بالاعتداء على رمز السيادة المغربية محمد الخامس ، باتت تتطلب، بل تفرض مقاومة وطنية بأسلوب جديد حاسم هو أسلوب المقاومة المسلحة.
وهكذا، ففي مناخ الجبهة الشعبية المعارضة للتصدي لمخطط «الحماية» ، بادر الراحل ، أحمد بنقليلو ، الى جانب ثلة من رفاقه الشباب ، عبد الفتاح سباطة، عمرو العطاوي، محمد الجوهري، عباس الازموري…، إلى تأسيس خلايا فدائية على صعيد أحياء مدينتي
الرباط
وسلا
وإلى توفير متطلباتها اللوجستيكية من توفير أماكن اجتماعاتها ، واقتناء أسلحتها وتدبير أمر تدريبها.
وفي اطار تنظيم عمل هذه الخلايا الفدائية فقد تكلف الراحل أحمد بن قليلو بمهام المقاومة بحي العكاري في الوقت الذي تكلف فيه رفاقه من أعضاء اللجنة التأسيسية بأحياء أخرى. عمرو المقاومة بحي دوار الدباغ وعباس الازموري بأحياء مدينة
سلا
.
وفي سياق الأهداف التي سطرتها هذه المجموعة الفدائية من الكتاب المقاوم فقد اضطلع الراحل بتنفيذ عدد من العمليات الفدائية خلال الفترة الحرجة ” عام 1953
ولدى انكشاف أمر أفراد خلية ”
الرباط
سلا
، ذاق الراحل أحمد بن قليلو أصنافا من التنكيل والتعذيب بمخافر الشرطة الفرنسية وقدم ل «المحكمة العليا الشريفة بتاريخ 12 أبريل 1954 التي قضت بإعدامه بتهمة الانخراط في «منظمة ارهابية» و«المشاركة بمعية متعاونين مع الادارة الاستعمارية، وأودع بالسجن الفلاحي «العادر» بناحية مدينة
الجديدة
في انتظار تنفيذ حكم الاعدام الصادر في حقه، لكن الله سلم، فقد عاد السلطان سيدي محمد ابن يوسف من منفاه إلى أرض الوطن، فأمر بإطلاق سراح كافة المقاومين المعتقلين بسجون الاحتلال.
-2 أما المثابرة المستميتة على نهج الوطنية المصادقة، فقد ترجمتها مسيرته السياسية النضالية على مدى عقود من التزامه السياسي الوطني.
فقد انخرط بتفان ونكران ذات من مسيرة البناء الوطني للمغرب المستقل إلى جانب العديد من قادة الحركة الوطنية وكان من طليعة الوطنيين المقاومين الذين قرروا في خضم المعترك الوطني السياسي الذي أطر منعطف الخميسينيات من القرن الماضي تشكيل اطار سياسي جماهيري تقدمي لاستكمال مسيرة التحرير والبناء تحت راية الاتحاد الوطني للقوات الشعبية.
وقد تميزت مسيرته النضالية في صفوف «الاتحاد الوطني» 1975-1959 ثم في صفوف «الاتحاد الاشتراكي» 20151975 بمواقف سياسية صريحة وبممارسة نقدية موضوعية وذاتية جريئة».
فقد كان الراحل تغمده الله بواسع رحمته لا يخشى الجهر بما يراه حقا لومة لائم.
وظلت بعيدا عن دائرة الواقع والحقيقة إذا زعمت أن الكثير من تقديراته وتقييماته للشأن الوطني والشأن الحزبي على حد سواء، كانت تنطوي على «نبوءات « لا تخلو من بعد الرؤية، ودقة المعنى،
وسلامة
النظرة..
ومن تم، فقد كان، رحمه الله، يأخذ مسافة مديدة أو قصيرة من الممارسة السياسية لرفاقه من «الاتحاد الوطني «، وفي «الاتحاد الاشتراكي»، يعبر عنها بجرأة وصراحة، حينما تنكشف له اختلالات أو نكوصات من طيات هذه الممارسة أو تلك، ثم لا يلبث أن يندفع بكامل قواه، وملئ طاقاته، حينما يتبدى له أن المسيرة قد استقامت، وأن الممارسة قد تقومت، وأن الروح الوطنية والوجهة التقدمية قد استعادتا مكانهما الطبيعي في نهج وركب الحركة الاتحادية…
ولعل ذلك ما يفسر حالات الاندفاع الواعي والانكفاء المؤقت التي رافقت سيرته النضالية الزاخرة..
3 وأخيرا، فإن مواطنيته المتأرجحة، الحثيثة التي تتجاوز الحدود الحزبية، لتعانق رحابة الوطن، فقد شكلت على الدوام بعدا وازنا في هموم وانشغالات مسيرته النضالية. فلقد شب وترعرع وشاخ الراحل على خدمة الوطن، تحريرا، وبناء واستنهاضا بدون حساب ولا انتظار جزاء…
ولذلك فقد ظل، من اندفاعاته وانكفاءاته، خلال مسيرته النضالية الطويلة، الحافلة، ملتصقا بتطورات الشأن الوطني، يتوقف طويلا عند مقوماتها ومظاهرها، ويحلل بدقة وموضوعية عناصرها، مبديا بجهارة وصراحة وجرأة استهجانه الصارخ للجوانب السلبية التي تتبدى له فيها، ومعبرا بنفس القوة والجهارة والصراحة عن استحسانه وتثمينه لما يتكشف له من جوانب ايجابية فيها… ولطالما كانت تملؤني إعجابا – خلال اللقاءات التي ظلت تجمعني وإياه في الفترة الأخيرة من عمره – دقة متابعته لتطورات الشأن الوطني، وسعة معرفته بحقائق وخلفيات أهل السياسة والوجاهة ممن جيله الوطني، ونفاذ رؤيته لمستقبل البلاد من أبعاده المجتمعية والسياسية والجيوسياسية.
بل إن اهتمامه بالشأن الوطني لم يكن حبيس إطاره الجغرافي، وكان يتجاوز الحدود الجزافية الوطنية، ليعانق تفاعلات المحيط الجغرافي الأوسع، بأبعاده القومية والمتوسطية والدولية .
فقد كان رحمه الله شديد الاشتغال بمضاعفات وارتدادات الاشكاليات القومية والإقليمية والدولية على الصعيد الوطني، قوى الاهتمام والمراهنة علي دور شباب اليوم من رفع تحديات الغد، عميق الإيمان يرجحان كفة الاستقرار والتقدم والنهوض في وجه ارتدادات التخبط والتأخر والنكوص. ولا مراء، فإن نضال الصدق في الوطنية، والصرامة في المبدئية،والأريحية في المواطنية لتعكس صيميم التحايا والفضائل التي تميزت بها شخصية الراحل، فقد كان رحمه الله نسيج وحده في العفة و الإباء وعزة النفس، أنموذجا فريدا من صفاء الطرية وخلوص الوفاء، كما كان طرازا لافتا من قوة الإرادة، وصراحة القول، وصرامة الحكم، وحسامة الموقف.
وقد تضافرت خصاله الشخصية، وسجاياه النضالية لتبوئه مكانة وطنية مرموقة جسدها الإنعام عليه بوسام الكفاءة الوطنية، وترجمها تكريمه – سنة 2003 – ممن طرف «المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير» وبلورها إطلاق اسمه على قاعة العرض بفضاء الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير بمدينة
مكناس
.
بيد أن الصرامة المبدئية، والصوفية السياسية، والنزاهة الفكرية، والعفة السلوكية، وهي الشمائل التي وصمت حياة الراحل، تظل العنوان الأبرز لذكراه، والميزة الكبرى لمسيرته الوطنية، وبتجربته الكفاحية، ولمراسته المواطنية.
الرباط
في 3 فبراير 2016
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

