بما أنها تظل، في غالبية الأوقات، في وضعية الدونية والانغلاق بحكم التقاليد السلفية، تخوض المرأة المغاربية معركة أكثر شراسة من تلك التي يخوضها الرجل. إنها تعاني تأرجحا بين عالمين، بين ثقافتين. معركة داخلية تحاول الكشف عنها من خلال نزع أكثر من حجاب عن وعيها، أكثر من حجاب يغلف كيانها ويسحق شخصها. أكثر من حجاب وضعه التاريخ، الجائر إلى حد كبير، المؤجل رغم ذلك، المنسي أحيانا والذي لا يُبعث إلا عند الحاجة.
للمرأة في السينما المغاربية وضعية اجتماعية واحدة، وضعية الكائن الخادم، وضعية الأَسْرِ والرغبة. وينتشر سعيها إلى الحرية والتميز في مناخ الألم والصمت الذي تعيشه، بين هنا حيث يمتد معيشها اليومي ومستقبل يتطلع إليه جسدها المحروم.
مع ذلك، وعلى نحو فائق الروعة، تتبنى العديد من النساء المتعلمات خيار استعمال الفرنسية لغة لترويج أفكارهن، للهروب من إيديولوجيا الهيمنة الذكورية العربية – الإسلامية وللتعبير عن حداثتهن، بنفس درجة تطلعهن إلى المساواة بين الجنسين. ليست هذه الوضعية بعيدة كل البعد عن نوع من المبالغة، إلا أنها واقعية وتُبرز نوعا من الندية الثقافية التي بِنْيَتها وأساسها لسانيين، جماليين، جنسيين واجتماعيين.
يمثل قمع المرأة في العالم العربي – الإسلامي حقيقة يؤسف عليها لا تكف كل امرأة، سواء كانت كاتبة أو مخرجة، على وصفها. طالما أنه يتم تصوير أفلام من طرف سينمائيات متمردات ( أمثال آسيا جبار/
الجزائر
، مفيدة التلاتلي /
تونس
، فريدة بليزيد / المغرب )، وكذلك من طرف مخرجات مهاجرات ( أمثال بنكيكي /
الجزائر
، قصاري /
تونس
)، فإن أدوار ووضعيات الشخصيات النسائية ليست سوى انعكاس لراهنية نساء الأمس واليوم. فمعظم الأفلام التي أنجزتها هؤلاء المتمردات تكريم للنساء لمكانتهن في المجتمع العربي – الإسلامي، لخضوعهن للسلطة الذكورية وللمدافعين عن الفضيلة. تظهر في هذه الأفلام، المنجزة على دراية، والتي تعكس مجتمعا أبويا قائما على أخلاق وعادات بربرية، حساسية كبيرة، لأنها تمثل مرافعة في سبيل حرية المرأة.
من خلال الإخراج الفيلمي، إذن، جسدت السينمائيات المغاربيات مشروعهن السينمائي الرامي إلى التعبير عن مختلف أنواع صمت النساء العربيات – المسلمات، وهن تحرضنهن، في الوقت نفسه، على القطع مع هذا الصمت. إلا أن القلق الحقيقي الذي تعاني منه المرأة المغاربية يبلغ ذروته في الميدان الجنسي، الميدان الذي تضغط فيه الممنوعات أكثر. ففي التصور الإسلامي، ولو أنه يتم تمجيد الحياة الجنسية ( استجابة للأمر الرباني )، فإن القواعد التي تحدده تُخضع على نحو مفارق الفاعلين الاجتماعيين الذين يطبقونها لإكراهات قوية. ونجد ضمن هذه الإكراهات مبدأ الدين ومبدأ الشرف. يحفظ هذان المنطقان للجنسين، وللمرأة بوجه خاص، مكانات محددة. الجنس عند النساء ديناميكي حسب التصور القرآني، بل مستفز، ويلازمه الضعف الذكوري. ما يجعل جسد المرأة خطيرا. في الوقت الراهن، وفي المغرب العربي، يعرف هذان المنطقان اضطرابات عميقة. فقد فعلت فيهما تدخلات خارجية، لا سيما تدخلات البنيات الدولاتية التي أخذت مكان الحكماء والهيئات التقليدية ( بورقيبة ضد مؤسسة الزيتونة الدينية، مظاهرة النساء
الجزائريات
ضد جبهة الإنقاذ الإسلامية ومظاهرة النساء المغربيات ضد الحسن الثاني ). إلا أن الدين والشرف يشبهان طائر الفينيق: لا تزال قواعدهما صامدة. يظل المنطقان حيين، الأول بشكل ضمني، والثاني بضجيج أكبر. إن استمرارهما في مغرب عربي « حديث «، البوابة الحقيقية على الراهنية الغربية في عريها الدنيوي، يشكل مصدر توتر ملحوظ حاولت السينما المغاربية استنساخه، وهي تصف القلق الذي ينخر علاقة الرجل – المرأة ( المخرج – المخرجة ).
في غالبية الأفلام المغاربية، لم يكن بإمكان المرأة أبدا أن تعبر لا عن إرادتها ولا عن حلمها. و ما سيصنع حصتها على نحو ما، سيكون هو حدة طاعتها، خضوعها وقبولها الكلي لقانون سنه وجسده الرجل. هذا الإكراه على المهادنة يحدد وضعها الجلي كأداة. إن العنصر النسائي هو دائما العنصر الذي تهُب منه العاصفة. يكفي أن يجد موضوع نسائي وسيلة للتعبير عن حريته ليهتز المجتمع بكامله كما لو أن زلزالا ضربه. وبحصولهن على الوعي بدواتهن، أُصيبت النساء أيضا بالغضب ولم يترتب عن ذلك، في المخيلات، سوى أبشع الكوارث.
رغم تقلبات التاريخ، فإن الشرط المألوف لغالبية النساء المغاربيات لا يزال سلبيا. و رغم نجاحه، منذ الاستقلال، في تحسين وضع المرأة مقارنة بباقي البلدان الإسلامية، فإن المغرب العربي لم يعرف كيف يواصل السير في صيرورة التطور. في المغرب العربي اليوم، لا يزال محكوما على النساء بالصمت، علما بأنهن تشكلن أغلبية الساكنة. ليس لهن أي وزن سياسيا. فجر قرننا الحالي، لا يزال تصور الحداثة بالنسبة لامرأة مغاربية فريدا جدا. إن النساء المغاربيات مهمشات، بسبب إعادة تحديد جديدة للأدوار الاجتماعية وللظواهر الشاذة في المغرب العربي وفي العالم العربي – الإسلامي، بسبب المطالب الجنسية. لذلك، فإن مطالب
التونسيات
، وكل مطالب المغرب العربي لم تعمل سوى على تهميشهن وتوسيع الهوة الفاصلة بين الرجال والنساء أكثر، في مجتمعات مغاربية تتسم سلفا بتوتر العلاقات بين النساء والرجال.
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

