ضعف الموارد البشرية في قطاع الصحة العمومية، وتأثير ذلك على المنظومة، وعلى نسبية الولوج للعلاج وكذا على جودته، أضحى أمرا محطّ إجماع واتفاق لا اختلاف فيه، وحده تدبير هذه الإشكالية وإيجاد حلول ناجعة لها، هو الذي يعرف تباينا في وجهات النظر/المقترحات، لاختلاف الدوافع والمقاصد، التي قد يكون باطنها غير ظاهرها، خاصة حين تصبّ مجموعة من التوجهات نحو تقوية القطاع الخاص والرفع من هامش ربحيته في مقابل تفقير المؤسسات الصحية العمومية والدفع نحو إفلاسها لغايات يعلمها أصحاب هذه الطروحات!
تدني أرقام التدخلات الطبية وطبيعتها على مستوى المستشفيات العمومية مقابل ارتفاعها بالقطاع الخاص ، يهمّ عددا من الاختصاصات، ومن بينها على سبيل المثال لا الحصر، جراحة القلب، ففي الوقت الذي يوجد مستشفى مولاي يوسف وبوافي بالدارالبيضاء في وضعية «راحة» قسرية لغياب وسائل العمل، فإن المركز الاستشفائي الجامعي وحده هو الذي يباشر هذا النوع من العمليات، لكن بمعدلات ضعيفة، إذ لاتتجاوز نسبة العمليات المبرمجة 50 في المئة من مجموع تدخلات مصحة خاصة واحدة، دون احتساب باقي المصحات المنتشرة هنا وهناك، مما يطرح أكثر من علامة استفهام حول الدوافع والغايات المرجوة من هذا الضعف والمغزى من هذه المردودية المتدنية، علما بأن القطاع الخاص يلجأ للاستعانة ب «يد عاملة» أجنبية تأتي من الخارج للممارسة في المغرب والاستفادة من العملة الصعبة التي تسلك سبلا مختلفة ؟
الحديث عن القلب، يحيلنا للوقوف عند خلل وفوضى يعرفها قطاع «التقنيين في الإرواء»، والمقصود بالتقني في هذا المجال، هو المتخصص في القلب والرئة الاصطناعيين أثناء عملية جراحة القلب، الذين يتراوح عددهم ما بين 40 و 45 تقنيا، ضمنهم 5 أطباء في هذا المجال، وتعدّ مهمة هذه الفئة من مهنيي الصحة بالغة الأهمية، لأن كل التفاصيل تكون لها صلة بهذه التقنية، إذ يكون التقني حاضرا قبل التدخل الجراحي، انطلاقا من استقبال المريض، وتضمين المعلومات الكافية عنه، سواء تعلّق الأمر بفصيلة الدم أو السوابق المرضية، السن، الوزن وغيرها من التفاصيل البديهية، ويقوم المعني بالأمر بالتعامل مع 4 مضخات تتواجد في آلة خاصة تقوم مقام القلب والرئة حين إجراء جراحات معيّنة، يتم خلالها إسكات القلب لمدة العملية، وهي تتطلب دقة عالية، وحرصا على تتبع كل الخطوات الإجرائية الضرورية، وتفادي النزيف بعد العملية بفعل قصر الأنابيب التي تقوم مقام العروق، على سبيل المثال لا الحصر، وإخراج الدم من أجل أكسجنته في المضخة ثم العودة إلى الأبهر بعد العملية، وغيرها من التفاصيل التقنية، التي لايسع المجال لاستعراضها كاملة، تفاديا لمضاعفات عديدة قد تتفاوت حدتها ما بين فقدان البصر، الشلل والموت، وهو الحضور الذي يكون في الحالة العادية ما بين ساعة وساعة ونصف، وفي العمليات المعقّدة يتراوح ما بين 4 و 5 ساعات.
فوضى يتخبط فيها قطاع «الإرواء» في ظل غياب قانون مؤطر، وغياب تكوين مستمر، وعدم توفر عدالة في هذا الصدد مقابل التشجيع على الهيمنة، ويكفي أن نعلم أنه في حال وقوع خطأ طبي، يصعب ضبطه وتحديد مسبّباته لغياب آليات التتبع. وإذا كان التقني الطبيب يتقاضى حوالي 3360 درهما عن كل عملية، فإن التقني الممرض يتقاضى قرابة 1500 درهم، وفي الوقت الذي قد يصل أجر البعض إلى 120 ألف درهم نتيجة «المردودية» على مستوى القطاع الخاص، وإن كانوا يعملون بالقطاع العام، ويرتدي بعض التقنيين وزرة «الأطباء»، مشتغلين بشكل سري بعيدا عن القنوات الواضحة، وفي ظل ضعف البعض على مستوى التكوين والفعالية، مستغلين كون القطاع غير مهيكل، فإن البعض الآخر لايكسب درهما واحدا، خاصة أولئك الذين لايشتغلون بالقطاع الخاص، ولايكون المانع دونهم والعمل سوى هيمنة البعض على تفاصيل القطاع واستحواذهم عليه، مع تحديد قائمة «المحظوظين» و»المقربين» دونا عن غيرهم من «المغضوب عليهم»!
قطاع ينتعش فيه البعض في صمت، في استثمار لحالة الفوضى، ولو على حساب حياة المرضى، مستغلين عدم تسليط الضوء عليه والاهتمام به من قبل وزارة الصحة، من أجل توفير ضوابط تقنينه وهيكلته بشكل منظم وعقلاني، وهي التي انبرت لأولوية التفويت والتخصيص، وشرعنة الاتجار بشكل أفدح في قطاع الصحة، معززة ذلك بترسانة قانونية تقصم ظهر الصحة العمومية، والمواطنين المرضى من المعوزين والفئات التي تعاني من الهشاشة والعوز الاجتماعي، وهو ما شجع على انتشار طفيليات عدة، تتسلل بعد تلصص مسبق لتستفرد بما طالته أيديها من آليات الكسب السريع على حساب الصحة العمومية؟
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

