الذين زاروا المكان الذي وقع فيه الانفجار الإرهابي
باسطنبول
، لا بد أنهم شعروا بألم في صدورهم وحرقة أسفل القلب، حتى ولو مرت على زياراتهم عشرات السنين .
لأن مكان الاعتداء الانتحاري، في حي السلطان أحمد قرب الميدان السابق لسباق الخيل المجاور لكاتدرائية القديسة صوفيا (آية صوفيا) والمسجد الأزرق، هو ببساطة مكان خرج من الجغرافيا ودخل.. الجسد ، ويقيم إقامة جمالية طويلة، إلى نهاية العمر، في الدم والعظم والعاطفة.
ليس المكان مكانا ، إنه هوية الزائر وهو يكتشف قدرته على الإقامة شاعريا فوق أرض بعيدة في الخيال، قريبة في الحاسة السادسة.
لست أعرف كيف يفكر أحد في أن يقف بين آية صوفيا، وهي تحمل آثار الأنبياء كلهم والمسجد الأزرق في السماء السابعة من المخيلة، ويحلو له أن ينفجر، لا بد من أن يكون أكثر من عدم، فحتى الحجر، آه الحجر يحلو له أن يتخذ أشكالا جميلة، حتى القبور يا إلهي القبور، تغريك بأن تقضي فيها عطلة كاملة!!
قد يشكل هذان المعْلمان أبرز نقاط جذب السياح في كبرى مدن
تركيا
، كما تقول النشرات الإخبارية، لكنهما قبل كل شيء حلول السماوي في الأرضي، وركوب البحر الأوروبي لليابسة الاسيوية، وخروج آدم إلى وليمة أشقائه الأنبياء، وهم يتصاهرون، من كل فصائل التوحيد إلى آخر الشعوب في القوقاز.
أشعر أنني معني، وكلِّي
اسطنبول!
ولا شك أن الذين زعزعتهم الضربات الإرهابية ينسون
أنقرة
ويفكرون في
اسطنبول
، ينسون السياسة ويتَّحِدون في الهشاشة الإنسانية.
بيننا تشابهات تخرج عن السجع والخلافة والأثر الدعوي..!
فتركيا
تتشابه معنا في أنها من الدول القليلة، التي تواجه الانفصال والإرهاب في نفس الوقت،…لهذا نشعر بغير قليل من التلاقي معها ونحن ندرك في الوقت نفسه، وجود فارق جوهري بأن الانفصال في
تركيا
يشتغل بعنف في قلب الأراضي التركية، وله محيط ، جغرافي واستراتيجي وإثني واسع، تحدوه نفس التطلعات في إقامة الدولة الكردية… وهو ما لا يحصل في بلادنا بطبيعة الحال، بالرغم من الموقف الذي يطرحه التشابه..
في الحركية المزدوجة ، تواجه
تركيا
، الإرهاب وهو يتمدد من الخارج إلى الداخل، أي من
العراق
وسوريا
إلى قلب المدن التركية، وتواجه الانفصال وهو يتمدد من الداخل إلى الخارج، من ديار بكر إلى شمال
العراق
..
للذين يريدون أن يجدوا تفسيرا باردا للإرهاب في صيغته التركية، لن يغفلوا أن الجبهة التركية ، جبهة حرب باردة بامتياز:فالحرب في
سوريا
هي جزء منها حرب تركية بسعيها إلى إسقاط نظام بشار الأسد، في الوقت الذي تقف
روسيا
الى جانبه، رفقة
إيران
..
والحرب في
العراق
في جزء منها حرب لتحصين حدودها مع الأكراد..
والإرث الذي خلفته ثورات الربيع العربي، والتي ارتمت فيها
أنقرة
بكل ما أوتيت من دعم واصطفاف واحتضان للتعبيرات السياسية والعسكرية لهذه الثورات، هو إرث حارق، ولن يساعدها في تحديد ملامح الأعداء..
غيرأن الذين يحبون السلام، ينسون أخطاء الهيمنة العثمانية ، لا سيما عندما يدفع ثمنها الشعب التركي، يعرفون أن
تركيا
في قلب منطقة يكون من الصعب أن تتفكك الدولة فيها أو الشعب بدون أن ينعكس ذلك على أوربا الشرقية والوسطى وعلى جزء من آسيا وقلب الشرق الأوسط..
سرى الاقتصاديون في أشلاء الضحايا، اليوم وربما غدا بعضا من فائض الدم الاقتصادي بتأثيرها على السياحة وسيكونون محقين ولا شك،فالاعتداء ضربة جديدة قاسية للسياحة التركية التي تضررت العام الماضي 2015 بسبب تردد الأوروبيين في التوجه إلى دول إسلامية، ونحن منها وكذلك بسبب الأزمة مع
روسيا
التي أدت إلى وقف مورد مهم.
بالتالي استهدف هذا الهجوم قطاع السياحة الذي يشكل عصب الاقتصاد في دولة كانت تعتبر في العام 2014 سادس وجهة سياحية عالمية.لكن الوضع – حسب النشرات الاقتصادية- بدأ يتغير في العام 2015 حين هجر الاوروبيون
تركيا
، على غرار دول إسلامية أخرى مثل المغرب أو
أندونيسيا
، بعد الاعتداءات الدامية في مصر وتونس.
وخارج المعادلات السياحية، والمعادلات الجيو اسراتيجية، وخارج الثأر الذي بالكاد يخفي جموحه، في دول اعتبرت
أنقرة
مسؤولة عن دعم الحركات الأصولية، خرج كل هذا، لا يمكن أن نعاقب الشعب التركي، ولا الحكومة نفسها لأنها كانت عرضة لإرهاب أعمى ولأنها تعاني مما نعانيه من نزعات انفصالية.
لا يمكن للذين يتساءلون بنوع من التوازن الرهيب :أين الذين كتبوا “»كلنا
باريس
“، “وكلنا ضحايا الإرهاب”«..
لا خيار لنا بين القتلى..
لا خيار لنا سوى الغضب والمواجهة…
ولا خيار لأحد في التشريع للقتل غدا باسم ما يحدث اليوم من صمت أو سوء تقدير، ذلك لأن منطقا مثل هذا يعني:إذا سكتم اليوم عن ضحايا المسجد الأزرق في
اسطنبول
، فسيكون القتل غدا مباحا ومشروعا … في
لندن
.
المصدر : الاتحاد الاشتراكي

